فهرس الكتاب
ج / 3 ص -313- الدَّجَّالِ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِنْ كَانَ إمَامًا لَمْ يُطِلْ الدُّعَاءَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَدْعُوَ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ دُونَ قَوْلِهِ:"ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ"وَالْبَيْهَقِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعَذَابُ كُلُّ مَا يُضْنِي1 الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ وَسُمِّيَ عَذَابًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ"وَقَوْلُهُ"فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ أَيْ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالْمَسِيحِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ضَبْطِهِ. وَقِيلَ أَشْيَاءُ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ نَبْسُطُهَا فِي"تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: الْمَسِيحُ هُوَ الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَقِيلَ الْمَسِيحُ الْأَعْوَرُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ: الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ وَالدَّجَّالُ مِنْ الدَّجْلِ، وَهُوَ التَّغْطِيَةُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَمْوِيهِهِ وَتَغْطِيَتِهِ الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ وَتَجَنُّبِهِ لَهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ:"أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ"أَيْ يُقَدِّمُ مَنْ لَطَفَ بِهِ إلَى رَحْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ بِفَضْلِهِ وَيُؤَخِّرُ مَنْ شَاءَ عَنْ ذَلِكَ بِعَدْلِهِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَبْلَ السَّلَامِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَلَكِنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ أَفْضَلُ وَلَهُ الدُّعَاءُ بِالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَالْمَأْثُورَةِ فِي غَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ، وَبِمَا يُرِيدُهُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي قَوْلِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا وَيَمِيلُ إلَى مَنْعِهِ وَأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ كُلُّ ذَلِكَ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا فِي فَرْعٍ مُفْرَدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ"وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا الدُّعَاءِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلْإِمَامِ وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ": أُحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذِكْرَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَدُعَاءَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَأَرَى أَنْ يَكُونَ زِيَادَةُ ذَلِكَ إنْ كَانَ إمَامًا أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَلِيلًا لِلتَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَلْفَهُ، وَأَرَى أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ وَحْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كانت في جميع النسخ"ما يفنى"وأظنها من التصحيف والصواب"ما يضنى"لأنه ليس من لازم الفناء ولا العكس (ط) .