فهرس الكتاب
ج / 3 ص -318- لَمْ يُجْزِهِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ، هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَقَلِّ السَّلَامِ.
وَأَمَّا أَكْمَلُهُ فَأَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَهَلْ يُسَنُّ تَسْلِيمَةٌ ثَانِيَةٌ؟ أَمْ يُقْتَصَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَلَا تُشْرَعُ الثَّانِيَةُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الصَّحِيحُ: الْمَشْهُورُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي"الْجَدِيدِ"وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ تَسْلِيمَتَانِ وَالثَّانِي: تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَهُ فِي"الْقَدِيمِ"وَالثَّالِثُ: قَالَهُ فِي"الْقَدِيمِ"أَيْضًا إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ وَلَا لَغَطَ عِنْدَهُمْ فَتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِلَّا فَثِنْتَانِ، هَكَذَا حَكَى الْأَصْحَابُ هَذَا الثَّالِثَ قَوْلًا قَدِيمًا، وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ عَنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلًا آخَرَ فِي"الْجَدِيدِ"، وَهَذَا غَرِيبٌ وَمَا أَظُنُّهُ ثَبَتَ. وَالْمَذْهَبُ تَسْلِيمَتَانِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ حَدِيثُ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ ثَبَتَ فَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ سَنَذْكُرُهَا، فَإِنْ قُلْنَا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ جَعَلَهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَإِنْ قُلْنَا تَسْلِيمَتَانِ فَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ.
قَالَ صَاحِبُ"التَّهْذِيبِ"وَغَيْرُهُ: يَبْتَدِئُ السَّلَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيُتِمُّهُ مُلْتَفِتًا بِحَيْثُ يَكُونُ تَمَامُ سَلَامِهِ مَعَ آخِرِ الِالْتِفَاتِ، فَفِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى يَلْتَفِتُ حَتَّى يَرَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ وَفِي الثَّانِيَةِ يَلْتَفِتُ حَتَّى يَرَى مَنْ عَنْ يَسَارِهِ خَدَّهُ الْأَيْسَرَ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي"الْبَسِيطِ"و"الْجُمْهُورُ"، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي"الْوَسِيطِ"وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَلْتَفِتُ حَتَّى يُرَى خَدَّاهُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: حَتَّى يُرَى خَدَّاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّهُ إسْرَافٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ، قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ بَدَأَ بِالْيَسَارِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إذَا قُلْنَا: يُسْتَحَبُّ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ وَاقِعَةٌ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مِنْهَا، وَقَدْ انْقَضَتْ الصَّلَاةُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ مَعَ الثَّانِيَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَكِنْ لَا يَأْتِي بِهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَمُسْلِمِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَبِالثَّانِيَةِ عَلَى مَنْ يَسَارَهُ مِنْهُمْ وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَخْتَصُّ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ نَوَى بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ نَوَاهُ فِي الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ مُحَاذِيًا لَهُ نَوَاهُ فِي أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَالْأُولَى أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ"، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ الرَّدَّ عَلَى بَعْضٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَنْوِيَ بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ إنْ لَمْ نُوجِبْهَا، وَدَلِيلُ هَذِهِ النِّيَّاتِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَسَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّيَّاتِ غَيْرُ نِيَّةِ الْخُرُوجِ فَفِيهَا الْخِلَافُ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله كَمَا سَبَقَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ الْمَوْجُودُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ إلَى"الْمُخْتَصَرِ"لِزَاهِرٍ السَّرَخْسِيِّ،"وَالنِّهَايَةِ"لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ و"الْحِلْيَةِ"لِلرُّويَانِيِّ زِيَادَةُ: وَبَرَكَاتُهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ لَا يُوثَقُ بِهِ وَهُوَ شَاذٌّ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ حَيْثُ