فهرس الكتاب
ج / 3 ص -329- الْمُشَارَكَةُ أَوْلَى.
وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرْفَعْ الْيَدَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَالِاسْتِنْصَارِ وَعَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ رَفْعُ الْيَدِ كَالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْيَدَ، وَحَكَى فِي التَّعْلِيقِ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْيَدَ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ. وَأَمَّا غَيْرُ الصُّبْحِ مِنْ الْفَرَائِضِ فَلَا يُقْنَتُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتُوا فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا أَنْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ، وَكَانَ إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ، قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَذَكَرَ الدُّعَاءَ".
الشرح: فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُقْنَتُ فِي الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارَ طَائِفَةٍ مُبْتَدِعَةٍ فَهُوَ غَلَطٌ لَا يُعَدُّ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا غَيْرُ الصُّبْحِ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ فَهَلْ يُقْنَتُ فِيهَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ"الصَّحِيحُ"الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: إنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ كَخَوْفٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَنَتُوا فِي جَمِيعِهَا وَإِلَّا فَلَا. وَالثَّانِي: يَقْنُتُونَ مُطْلَقًا حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ شَيْخُ الْأَصْحَابِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تَعْلِيقِهِ"وَمُتَابِعُوهُ. وَالثَّالِثُ: لَا يَقْنُتُونَ مُطْلَقًا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَنَتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ عِنْدَ نُزُولِ النَّازِلَةِ حِينَ قُتِلَ أَصْحَابُهُ الْقُرَّاءُ"وَأَحَادِيثُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، هَكَذَا صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْجُمْهُورُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ مُقْتَضَى كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ فَحَيْثُ يَجُوزُ فَالِاخْتِيَارُ فِيهِ إلَى الْمُصَلِّي قَالَ: وَمِنْهُمْ مِنْ يُشْعِرُ كَلَامُهُ بِالِاسْتِحْبَابِ"قُلْتُ": وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقُنُوتُ لِلنَّازِلَةِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ سُنَّةً، مِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ صَاحِبُ"الْعُدَّةِ". قَالَ: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"عَلَى الِاسْتِحْبَابِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَكْتُوبَاتِ فَلَا يُقْنَتُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ:"وَلَا قُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَإِنْ قَنَتَ عِنْدَ نَازِلَةٍ لَمْ أَكْرَهْهُ1".
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَحِلُّ الْقُنُوتِ عِنْدَنَا بَعْدَ الرُّكُوعِ كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ قَنَتَ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ مَالِكِيًّا يَرَاهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. قَالَ صَاحِبُ"الْمُسْتَظْهِرِيِّ": هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُهُ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيُعِيدُهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ، قَالَ: وَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَسْجُدُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وبقية النص: وإن قنت عند غير نازلة طرهت له (ط) .