فهرس الكتاب
ج / 3 ص -330- لِلسَّهْوِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ": لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ عَمَلٌ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا عَمِلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْجَبَ سُجُودَ السَّهْوِ. هَذَا نَصُّهُ، وَأَشَارَ فِي"التَّهْذِيبِ"إلَى وَجْهٍ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: هُوَ كَمَا لَوْ قَرَأَ التَّشَهُّدَ فِي الْقِيَامِ فَحَصَلَ فِيمَنْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ"الصَّحِيحُ": أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَالثَّالِثُ: يُجْزِئُهُ وَالرَّابِعُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ غَلَطٌ.
الثَّالِثَةُ: السُّنَّةُ فِي لَفْظِ الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَأَنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ. هَذَا لَفْظُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِإِثْبَاتِ الْفَاءِ فِي: فَإِنَّكَ وَالْوَاوِ فِي: وَأَنَّهُ لَا يَذِلُّ، وَتَبَارَكْتَ رَبَّنَا، هَذَا لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ1 وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَجُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ وَلَمْ يُثْبِتْ الْفَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَتَقَعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مُغَيَّرَةً فَاعْتَمِدْ مَا حَقَّقْتُهُ، فَإِنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ يُحَافَظُ فِيهَا عَلَى الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما قَالَ:"عَلَّمَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَأَنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُنُوتِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا. وَفِي رِوَايَةٍ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ:"إنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الَّذِي كَانَ أَبِي يَدْعُو بِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي قُنُوتِهِ"وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ لِيَدْعُوَ بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ"وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي وِتْرِ اللَّيْلِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ"وَفِي رِوَايَةٍ"كَانَ يَقُولُهَا فِي قُنُوتِ اللَّيْلِ"فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ هَذَا الدُّعَاءِ وَقَعَ لِقُنُوتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَبِالله التَّوْفِيقُ.
وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الثِّمَانُ هُنَّ اللَّوَاتِي نَصَّ عَلَيْهِنَّ الشَّافِعِيُّ فِي"مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ"وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِنَّ، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِنَّ"وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ"قَبْلَ"تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ"وَبَعْدَهُ"فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ"فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ حَسَنَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ"مَنْ عَادَيْتَ"لَيْسَ بِحَسَنٍ.؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ لَا تُضَافُ إلَى الله تَعَالَى، وَأَنْكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَقَالُوا قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة:1] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ. قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَ إمَامًا لَمْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ، بَلْ يُعَمِّمُ فَيَأْتِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَى آخِرِهِ. وَهَلْ تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ فِيهِ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ يَحْصُلُ بِكُلِّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل ولعل السقط"وهي كذلك" (ط) .