ج / 3 ص -346- أَفْضَلُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرَاوِيحَ أَفْضَلُ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ؛ لِأَنَّهَا تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ فَأَشْبَهَتْ الْعِيدَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ أَفْضَلُ وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي"الْمُخْتَصَرِ"؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَاظَبَ عَلَى الرَّاتِبَةِ دُونَ التَّرَاوِيحِ وَضَعَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله، قَالَ فِي"الْمُخْتَصَرِ": وَأَمَّا قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الِانْفِرَادَ بِالتَّرَاوِيحِ أَفْضَلُ مِنْ إقَامَتِهَا جَمَاعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ الرَّاتِبَةَ الَّتِي لَا تُصَلَّى جَمَاعَةً أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ التَّرَاوِيحِ وَإِنْ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِسِيَاقِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ صَاحِبُ"الشَّامِلِ": هَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ، بَلْ قَالَ: صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ طُرُقٍ مُتَكَاثِرَاتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ"الْحَدِيثَ فَقَدَّمَ الشَّمْسَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مَعَ كَثْرَتِهَا وَلِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّمْسِ أَكْثَرُ مِنْ الْقَمَرِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِدْعَةٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً بِالصَّلَاةِ وَتَارَةً بِالدُّعَاءِ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عِنْدَ وُجُودِهَا وَلِأَنَّ الْكُسُوفَ يُخَافُ فَوْتُهَا بِالِانْجِلَاءِ كَمَا يُخَافُ فَوْتُ الْفَرِيضَةِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَتَتَأَكَّدُ لِشَبَهِهَا بِهَا بِخِلَافِ الِاسْتِسْقَاءِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلِأَنَّ الْكُسُوفَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَالِاسْتِسْقَاءُ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكُسُوفَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ بَلْ فِيهَا طَلَبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ لَا يُكْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوَا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ"وَفِي رِوَايَةٍ"لَا يُكْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ"وَفِي رِوَايَةٍ"فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ"وَفِي رِوَايَةٍ"يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ"وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَبَعْضُهَا فِيهِمَا. وَبَعْضُهَا فِي أَحَدِهِمَا وَفِيهِمَا أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ نَحْوُهَا. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْكُسُوفَ غَالِبًا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ ضَرَرٌ بِخِلَافِ الْقَحْطِ فَتَمَحَّضَ الْكُسُوفِ عِبَادَةٌ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا مَا لَا يُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ فَضَرْبَانِ: رَاتِبَةٌ بِوَقْتٍ وَغَيْرُ رَاتِبَةٍ، فَأَمَّا الرَّاتِبَةُ فَمِنْهَا السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ مَعَ الْفَرَائِضِ وَأَدْنَى الْكَمَالِ فِيهَا عَشْرُ رَكَعَاتٍ غَيْرُ الْوِتْرِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ ، وَبَعْدَهَا سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سَجْدَتَيْنِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ"