ج / 3 ص -350- عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْوِتْرُ حَقٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ"وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ فِيهَا بِوَاحِدَةٍ"وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَفِي الثَّالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] و"الْمُعَوِّذَتَيْنِ"لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ ذَلِكَ. وَالسُّنَّةُ لِمَنْ أَوْتَرَ بِمَا زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، وَلِأَنَّهُ يَجْهَرُ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَوْصُولَةً بِالرَّكْعَتَيْنِ لَمَا جَهَرَ فِيهَا كَالثَّالِثَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا بِتَسْلِيمَةٍ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيْ الْوِتْرِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقْنُتَ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:"السُّنَّةُ إذَا انْتَصَفَ الشَّهْرُ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ تُلْعَنَ الْكَفَرَةُ فِي الْوِتْرِ بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله الزُّبَيْرِيُّ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ"وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ."
وَمَحِلُّ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مَحِلُّهُ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه وَلِأَنَّهُ فِي الصُّبْحِ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَكَذَلِكَ الْوِتْرُ، وَوَقْتُ الْوِتْرِ مَا بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام"إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ"فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ تَهَجُّدٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ حَتَّى يُصَلِّيَهُ بَعْدَ التَّهَجُّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَهَجُّدٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ طَمَعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ".
الشرح: الْوِتْرُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَدْنَى كَمَالِهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ وَهِيَ أَكْثَرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ أَكْثَرَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَمَنْ قَالَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ يَتَأَوَّلُهَا عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ حَسَبَ مَعَهَا سُنَّةَ الْعِشَاءِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ وَجْهٌ - حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ - أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ عَلَى أَوْجُهٍ مِنْ أَعْدَادٍ مِنْ الرَّكَعَاتِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ انْحِصَارِهِ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَعْدَادِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَمْ يُجَاوِزْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ مُجَاوَزَتُهَا فَدَلَّ عَلَى امْتِنَاعِهَا، وَالْخِلَافُ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ فِيمَا زَادَ عَلَى إقَامَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَفِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى انْتِظَارَيْنِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَإِذَا أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ فَمَا دُونَهَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ،