ج / 3 ص -352- وَآخَرُونَ، وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالُوا: سَوَاءٌ تَعَمَّدَ أَوْ سَهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إنْ أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ دَخَلَ وَقْتُهُ بِفِعْلِ الْعِشَاءِ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ فَشَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَافِلَةٌ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْلٌ لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيَكُونُ تَطَوُّعًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي صِحَّتِهَا نَفْلًا وَبُطْلَانِهَا بِالْكُلِّيَّةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ. وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْوِتْرِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَخْرُجُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةَ الصُّبْحِ، وَأَمَّا الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِيتَارِ فَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَتَهَجَّدُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوتِرَ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ وَسُنَنِهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الْوِتْرِ لِيَفْعَلَهُ بَعْدَ التَّهَجُّدِ، وَيَقَعُ وِتْرُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: تَقْدِيمُ الْوِتْرِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ نَفْلُهُمَا عَلَى مَنْ لَا يَعْتَادُ قِيَامَ اللَّيْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلٍ، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ وَكُلٌّ سَائِغٌ قُلْتُ: وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ الَّذِي سَبَقَ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ تَأْخِيرُ الْوِتْرِ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَهَجُّدٌ وَوَثِقَ بِاسْتِيقَاظِهِ أَوَاخِرَ اللَّيْلِ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِإِيقَاظِ غَيْرِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْوِتْرَ لِيَفْعَلَهُ آخِرَ اللَّيْلِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ:"فَإِذَا أَوْتَرَ قَالَ: قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ"وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِ الْإِيتَارِ آخِرَ اللَّيْلِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"مِنْ كُلِّ لَيْلٍ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ خَافَ أَلَّا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمَعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ التَّفْصِيلِ وَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما:"أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةُ الضُّحَى، وَأَلَّا أَنَامَ إلَّا عَلَى وِتْرٍ"رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَمَحْمُولَانِ عَلَى مَنْ لَا يَثِقُ بِالْقِيَامِ آخِرَ اللَّيْلِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِعْلِهِ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: إذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ثُمَّ قَامَ وَتَهَجَّدَ لَمْ يُنْقَضْ الْوِتْرُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، بَلْ يَتَهَجَّدُ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ شَفْعًا، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يُصَلِّي مِنْ أَوَّلِ قِيَامِهِ رَكْعَةً يُشْفِعُهُ ثُمَّ يَتَهَجَّدُ مَا شَاءَ ثُمَّ يُوتِرُ ثَانِيًا، وَيُسَمَّى هَذَا نَقْضُ الْوِتْرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.