ج / 3 ص -353- فرع: إذَا اسْتَحْبَبْنَا الْجَمَاعَةَ فِي التَّرَاوِيحِ اُسْتُحِبَّتْ الْجَمَاعَةُ أَيْضًا فِي الْوِتْرِ بَعْدَهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ لَمْ يُوتِرْ مَعَهُمْ بَلْ يُؤَخِّرُهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ صَلَّى نَافِلَةً مُطْلَقَةً وَأَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ عَبْدَانِ وَجْهَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِهَا فِيهِ مُطْلَقًا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقْنُتَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله، وَفِي وَجْهٍ يُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَرْبَعَةٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا، أَبِي عَبْدِ الله الزُّبَيْرِيِّ وَأَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ وَأَبِي الْفَضْلِ بْنِ عَبْدَانِ وَأَبِي مَنْصُورِ بْنِ مِهْرَانَ وَهَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ لِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما السَّابِقِ فِي الْقُنُوتِ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ مَا سَبَقَ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله كَرَاهَةُ الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: وَلَوْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي مَوْضِعٍ اسْتَحَبَّهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ قَنَتَ حَيْثُ لَا يَسْتَحِبُّهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ طَبَرِسْتَانَ.
فرع: فِي مَوْضِعِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ أَوْجُهٌ الصَّحِيحُ: الْمَشْهُورُ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله مِنْ حَرْمَلَةَ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ وَالثَّانِي: قَبْلَ الرُّكُوعِ قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَسَيَأْتِي دَلِيلُ الْجَمِيعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا قُلْنَا: يُقَدِّمُهُ عَلَى الرُّكُوعِ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَقْنُتُ بِلَا تَكْبِيرٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يَقْنُتُ ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ رحمه الله.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَفْظُ الْقُنُوتِ هُنَا كَهُوَ فِي الصُّبْحِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ قَالُوا: فَيَقْنُتُ بِـ"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ"وَبِقُنُوتِ عُمَرَ رضي الله عنه وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَهَلْ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ قُنُوتِ عُمَرَ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي؟ أَمْ تَأْخِيرُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ تَقْدِيمُهُ أَفْضَلُ، قَالَ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي غَيْرِ تَعْلِيقِهِ عَنْ شُيُوخِهِمْ تَأْخِيرَهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا آكَدُ وَأَهَمُّ فَقُدِّمَ قَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ: ابْنُ الْقَاصِّ: يَزِيدُ فِي الْقُنُوتِ: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ كَرَاهَةُ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ.
فرع: حُكْمُ الْجَهْرِ بِالْقُنُوتِ وَرَفْعِ الْيَدِ وَمَسْحِ الْوَجْهِ كَمَا سَبَقَ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرَهُ.