فهرس الكتاب
ج / 3 ص -363- وَجُمَلٍ مِنْ الْفَوَائِدِ وَالْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ قَالَ فِيهِ"إنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَنَامُوا عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَسَارُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ هُمَا سُنَّةُ الصُّبْحِ.
الْخَامِسَةُ: مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الرَّاتِبَةِ أَوْ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتَهَاوُنِهِ بِالدِّينِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَسَنُوَضِّحُهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِدَلَائِلِهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَمِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ قِيَامُ رَمَضَانَ وَهُوَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي جَمَاعَةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ [فِي"الْبُوَيْطِيِّ"، لِمَا رُوِيَ أَنْ عُمَرَ رضي الله عنه جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّى بِهِمْ التَّرَاوِيحَ] وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِعْلُهَا مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"صَلَّى لَيَالِيَ فَصَلَّوْهَا مَعَهُ، ثُمَّ تَأَخَّرَ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ بَاقِيَ الشَّهْرِ"وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِئَلَّا تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا مُخْتَصَرًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"وَأَمَّا حَدِيثُ جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنهما فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي"صَحِيحِهِ"، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّاهَا لَيَالِيَ فَصَلَّوْهَا مَعَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ"خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا"فَرَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَوْلُهُ:"مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ"مَعْنَاهُ لَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ أَمْرَ تَحْتِيمٍ وَإِلْزَامٍ وَهُوَ الْعَزِيمَةُ، بَلْ أَمْرُ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ فِيهِ بِذِكْرِ فَضْلِهِ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"إيمَانًا"أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ، وَاحْتِسَابًا أَيْ يَفْعَلُهُ لِلّهِ تَعَالَى لَا رِيَاءً وَلَا نَحْوَهُ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ وَتَجُوزُ مُنْفَرِدًا وَجَمَاعَةً، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَحَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ قَوْلَيْنِ الصَّحِيحُ: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي"الْبُوَيْطِيِّ"، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ.
الثَّانِي: الِانْفِرَادُ أَفْضَلُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا. قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ: الْخِلَافُ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَخَافُ الْكَسَلَ عَنْهَا لَوْ انْفَرَدَ، وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِتَخَلُّفِهِ. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ. ثَالِثُهَا هَذَا الْفَرْقُ. وَمِمَّنْ حَكَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو إِسْحَاقَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ.