فهرس الكتاب

الصفحة 1264 من 4102

ج / 3 ص -383- قَالَ:"سَجَدَهَا نَبِيُّ الله دَاوُد تَوْبَةً، وَسَجَدْنَاهَا شُكْرًا"فَإِنْ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ فِيهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ فَبَطَلَتْ بِهَا الصَّلَاةُ كَالسُّجُودِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالتِّلَاوَةِ فَهِيَ كَسَائِرِ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ.

الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَقَوْلُهُ: تَشَزَّنَّا هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ، ثُمَّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، ثُمَّ زَايٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْضًا أَيْ تَهَيَّأْنَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: سَجْدَةُ"ص"لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ مَعْنَاهُ لَيْسَتْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ وَلَكِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ هِيَ سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَقَرَأَهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْجُدَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّابِقِ. وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ فِي"ص"رَوَاهُ1.

وَإِنْ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْجُدَ فَإِنْ خَالَفَ وَسَجَدَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ سَجَدَهَا عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا، وَلَوْ سَجَدَ إمَامُهُ فِي"ص"لِكَوْنِهِ يَعْتَقِدُهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: لَا يُتَابِعُهُ، بَلْ إنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ شَاءَ يَنْتَظِرُهُ قَائِمًا كَمَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ لَا يُتَابِعُهُ، بَلْ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ فَإِنْ انْتَظَرَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي: لَا يُتَابِعُهُ أَيْضًا وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ انْتَظَرَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ إمَامَهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ جَاهِلًا، وَأَنَّ لِسُجُودِ السَّهْوِ تَوَجُّهًا عَلَيْهِمَا، فَإِذَا أَخَلَّ بِهِ الْإِمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ. وَالثَّالِثُ: يُتَابِعُهُ فِي سُجُودِهِ فِي"ص"حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ لِتَأَكُّدِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَتَأْوِيلِهِ وَالله أَعْلَمُ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ وَاجِبًا، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد و غَيْرُهُمْ رضي الله عنهم.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الأنشقاق: 12] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم:62] وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ:"قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. فَإِنْ قَالُوا:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا بالأصل"ش"أقول: وتتمة العبارة يمكن أن تكون رواه أحمد في"مسنده"، وأبو داود والتمذي والنسائي في"تفسيره"لأننا وجدنا بالبحث هكذا"المطيعي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت