ج / 3 ص -387- وَالْمُتَوَلِّي وَتَابَعَهُمْ الرَّافِعِيُّ وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقِينَ. قَالَ الْإِمَامُ وَلَمْ أَرَ لِهَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا وَلَا أَصْلًا"قُلْتُ": وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ هَذَا الْقِيَامَ وَلَا ثَبَتَ فِيهِ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ، فَالِاخْتِيَارُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحْدَثَاتِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْمُحْدَثَاتِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْأَزْدِيَّةِ قَالَتْ:"رَأَيْتُ عَائِشَةَ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِذَا مَرَّتْ بِسَجْدَةٍ قَامَتْ فَسَجَدَتْ"فَهُوَ ضَعِيفٌ، أُمُّ سَلَمَةَ هَذِهِ مَجْهُولَةٌ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُهُ: سَجَدَ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ وَسُجُودُ الشَّجَرَةِ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ مَا يَقُولُهُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ جَازَ وَكَانَ حَسَنًا وَسَوَاءٌ فِيهِ التَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ إسْمَاعِيلُ الضَّرِيرُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ اخْتِيَارَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ: سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي مَدْحَ هَذَا فَهُوَ حَسَنٌ، وَصِفَةُ هَذَا السُّجُودِ صِفَةُ سُجُودِ الصَّلَاةِ فِي كَشْفِ الْجَبْهَةِ وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْأَنْفِ، وَمُجَافَاةِ الْمِرْفَقَيْنِ عَنْ الْجَنْبَيْنِ وَإِقْلَالِ الْبَطْنِ عَنْ الْفَخِذَيْنِ، وَرَفْعِ أَسَافِلِهِ عَلَى أَعَالِيهِ وَتَوْجِيهِ أَصَابِعِهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَالْمُبَاشَرَةُ بِالْجَبْهَةِ شَرْطٌ وَوَضْعُ الْأَنْفِ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَا مُجَافَاةُ الْمِرْفَقِ وَإِقْلَالُ الْبَطْنِ وَتَوْجِيهُ الْأَصَابِعِ، وَفِي اشْتِرَاطِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ هُنَاكَ بِفُرُوعِهِمَا، وَحُكْمُ رَفْعِ الْأَسَافِلِ عَلَى مَا سَبَقَ هُنَاكَ وَالطُّمَأْنِينَةُ رُكْنٌ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَالذِّكْرُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِرُكْنٍ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، وَهَذَا التَّكْبِيرُ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
وَهَلْ يُسْتَحَبُّ مَدُّ تَكْبِيرِ السُّجُودِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ؟ يَجِيءُ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَدُّ الْأَوَّلِ حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَدُّ الثَّانِي حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا, وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى السَّلَامِ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ سُجُودِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ نَقَلَهُمَا الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ اشْتِرَاطُهُ، مِمَّنْ صَحَّحَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِمَا"وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ السَّلَامُ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّشَهُّدُ، وَإِنْ شَرَطْنَا السَّلَامَ فَفِي اشْتِرَاطِ التَّشَهُّدِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا لَا يُشْتَرَطُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: فِي السَّلَامِ وَالتَّشَهُّدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: يُشْتَرَطُ السَّلَامُ دُونَ التَّشَهُّدِ وَالثَّانِي: يُشْتَرَطَانِ وَالثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ التَّشَهُّدُ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي"التَّنْبِيهِ": قِيلَ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، وَقِيلَ: يُسَلِّمُ وَلَا يَتَشَهَّدُ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَلِّمُ، فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوْهَمَ أَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ وَلَيْسَ لَهُ نَصٌّ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ الْقَوْلَانِ فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرَهُمَا هُوَ هَاهُنَا فِي"الْمُهَذَّبِ"، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوْهَمَ أَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ اشْتِرَاطُ السَّلَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَالله أَعْلَمُ.