فهرس الكتاب

الصفحة 1271 من 4102

ج / 3 ص -390- السَّجْدَةِ مَا يُفْعَلُ بَعْدَ صَلَاةٍ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْجَهَلَةِ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَسَوَاءٌ قَصَدَ السُّجُودَ لِلّهِ تَعَالَى أَوْ غَفَلَ، وَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ أَوْ يُقَارِبُهُ، عَافَانَا اللَّهُ الْكَرِيمُ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي آخِرِ بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالله أَعْلَمُ.

فرع: لَوْ فَاتَتْ سَجْدَةُ الشُّكْرِ فَهَلْ يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، قَالَ صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ": فِيهِ الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ الرَّوَاتِبِ وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا تُقْضَى وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ بِمِثْلِهِ ابْتِدَاءً أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ صَاحِبِ"التَّقْرِيبِ"يَتَطَوَّعُ بِهِ كَمَا سَبَقَ فَيُشْبِهُ الرَّوَاتِبَ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِسَجْدَةٍ فَلَا تُقْضَى كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيٍّ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهم.

وَعَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ النَّخَعِيِّ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا: الْكَرَاهَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْمُنْذِرِ غَيْرَهَا وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ سُنَّةً، وَاحْتُجَّ لِمَنْ كَرِهَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"شَكَا إلَيْهِ رَجُلٌ الْقَحْطَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا فَسُقُوا فِي الْحَالِ، وَدَامَ الْمَطَرُ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يَرْفَعْهُ عَنَّا، فَدَعَا فَرُفِعَ فِي الْحَالِ"وَالْحَدِيثُ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْجُدْ لِتَجَدُّدِ نِعْمَةِ الْمَطَرِ أَوَّلًا وَلَا لِدَفْعِ نِقْمَتِهِ آخِرًا، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ نِعْمَةٍ فَإِنْ كُلِّفَهُ لَزِمَ الْحَرَجُ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ:"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ حَرُورَاءَ نَزَلَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ قَالَ:"إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي فَخَرَرْتُ لِرَبِّي شُكْرًا ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخَرَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَا نَعْلَمُ ضَعْفَ أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَمَا لَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ عِنْدَهُ حَسَنٌ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"خَرَّ سَاجِدًا [حِينَ] جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ رضي الله عنه مِنْ الْيَمَنِ بِإِسْلَامِ هَمْدَانَ"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه فِي حَدِيثِ تَوْبَتِهِ قَالَ:"فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ سُجُودَ الشُّكْرِ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ رضي الله عنهم."

وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ تَرَكَ السُّجُودَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِي السُّجُودِ حِينَئِذٍ مَشَقَّةٌ أَوْ اكْتَفَى بِسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالْجَوَابُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَوْ غَيْرِهَا مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت