ج / 4 ص -90- قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِذَا أَحَسَّ بِدَاخِلٍ وَهُوَ رَاكِعٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يُكْرَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشْرِيكًا بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْعِبَادَةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: من الآية110) والثاني: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتَظِرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ لِيُدْرِكَ بِهِ الْغَيْرُ رَكْعَةً فَلَمْ يُكْرَهْ كَالِانْتِظَارِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَتَعْلِيلُ الْأَوَّلِ يَبْطُلُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ، وَيَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ لِيُسْمِعَ مَنْ وَرَاءَهُ فَإِنَّ فِيهِ تَشْرِيكًا ثُمَّ يُسْتَحَبُّ. وَإِنْ أَحَسَّ بِهِ وَهُوَ قَائِمٌ لَمْ يَنْتَظِرْهُ؛ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ يَحْصُلُ لَهُ بِالرُّكُوعِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْرِيكِ والثاني: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ الْجَمَاعَةُ".
الشرح: إذَا دَخَلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ طَوَّلَ لِانْتِظَارِ مُصَلٍّ فَلَهُ أَحْوَالٌ: أحدها: أَنْ يُحِسَّ وَهُوَ رَاكِعٌ مَنْ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ فَهَلْ يَنْتَظِرَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْأَكْثَرِينَ: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ والثاني: يُكْرَهُ، وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ: فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَطَائِفَةٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَعَدَمِهِ، وَقِيلَ: إنْ عَرَفَ عَيْنَ الدَّاخِلِ لَمْ يَنْتَظِرْهُ، وَإِلَّا انْتَظَرَهُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُلَازِمًا لِلْجَمَاعَةِ انْتَظَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ انْتَظَرَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. وَقِيلَ: لَا يَنْتَظِرُ قَطْعًا.
وَإِذَا اخْتَصَرْتُ هَذَا الْخِلَافَ وَجَعَلْتُهُ أَقْوَالًا كَانَ خَمْسَةً أحدها: يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ والثاني: يُكْرَهُ والثالث: لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ والرابع: يُكْرَهُ انْتِظَارُ مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ والخامس: إنْ كَانَ مُلَازِمًا انْتَظَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ مُطْلَقًا بِشُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْبُوقُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ حِينَ الِانْتِظَارِ، وَأَلَّا يَفْحُشَ طُولُ الِانْتِظَارِ، وَأَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، لَا التَّوَدُّدَ إلَى الدَّاخِلِ وَتَمْيِيزِهِ؛ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَظِرُ فَانْتَظَرَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى جَمَاعَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي بُطْلَانِهَا قَوْلًا ضَعِيفًا غَرِيبًا كَالِانْتِظَارِ الزَّائِدِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. الْحَالُ الثاني: أَنْ يُحِسَّ بِهِ وَهُوَ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهُ حُكْمُ الرُّكُوعِ فَفِيهِ الْخِلَافُ؛ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ الْخِلَافُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ وَجْهَانِ: ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِالرُّكُوعِ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحِسَّ بِهِ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ كَالْقِيَامِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَفِيهِ طُرُقٌ أصحها وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ: لَا يَنْتَظِرُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ مُمْكِنٌ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ، وَلَا يَفُوتُ بِغَيْرِهِمَا مَقْصُودٌ والثاني: فِي الِانْتِظَارِ الْخِلَافُ كَالرُّكُوعِ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ والثالث: لَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ، وَفِي الْقِيَامِ الْخِلَافُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَظِرُ فَشَرْطُهُ مَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَهَذَا مُلَخَّصُ حُكْمِ الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ مُشَعَّبَةٌ، وَالْمُخْتَصَرُ مِنْهَا أَنَّ الصَّحِيحَ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَكَرَاهَتُهُ فِي غَيْرِهِمَا، وَأَنَّهُ إذَا قُلْنَا: يُكْرَهُ فَطَوَّلَ لَا تَبْطُلُ.