ج / 4 ص -91- فرع: لَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لِجَمَاعَةٍ فَطَوَّلَ لِيَلْحَقَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ تَكْثُرُ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ، أَوْ لِيَلْحَقَهُ رَجُلٌ مَشْهُورٌ عَادَتُهُ الْحُضُورُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ قَالُوا: وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي سُوقٍ أَوْ مَحَلَّةٍ، وَعَادَةُ النَّاسِ يَأْتُونَهُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ فَوْجًا فَوْجًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ الْمُنْتَظَرُ مَشْهُورًا بِدِينِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ دُنْيَاهُ، وَكُلُّهُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذٌ؟"وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ بِالتَّأْخِيرِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْمَأْمُومِينَ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَظِرْهُمْ حَثَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْمُسَارَعَةِ إلَى الصَّلَاةِ وَالتَّبْكِيرِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِيهَا، وَحَضَرَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ، وَيَرْجُو زِيَادَةً - فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَجِّلَهَا، وَلَا يَنْتَظِرَهُمْ، وَإِنْ حَضَرَ الْمَأْمُومُونَ دُونَ الْإِمَامِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلَ هَذَا الْبَابِ، وَسَبَقَ أَيْضًا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ عَادَةَ الْإِمَامِ التَّأْخِيرُ، هَلْ الْأَفْضَلُ انْتِظَارُهُ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ؟ أَمْ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا وَسَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَظَائِرُهَا الْكَثِيرَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
فرع: فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ:"أَحَسَّ"هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَلَا يُقَالُ: حَسَّ إلَّا فِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ غَرِيبَةٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى كُنْيَتُهُ: أَبُو إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ، شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَسَنَذْكُرُهُ فِي الْفرع بَعْدَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي انْتِظَارِ الْإِمَامِ وَهُوَ رَاكِعٌ الدَّاخِلَ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا اسْتِحْبَابُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُمْ تَابِعِيُّونَ وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ يَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُد: لَا يَنْتَظِرُهُ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجَّ لِهَؤُلَاءِ بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ وَبِأَنَّ فِيهِ تَشْرِيكًا فِي الْعِبَادَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الِانْتِظَارُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِلْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي سَبَقَ قَرِيبًا"أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟ فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ لِإِتْمَامِ صَلَاةِ الْمُسْلِمِ فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ هُمَا الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ"فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سَمَّى بَعْضُ الرُّوَاةِ هَذَا الرَّجُلَ طُرْفَةَ الْحَضْرَمِيَّ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى رَفْعِ الْإِمَامِ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْمُومِ.