ج / 4 ص -107- يُجَسِّمُ تَجْسِيمًا صَرِيحًا، وَمَنْ يُنْكِرُ الْعِلْمَ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَكْفِيرِهِ فَأَطْلَقَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَمُتَابِعُوهُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ: الْمُعْتَزِلَةُ كُفَّارٌ، وَالْخَوَارِجُ لَيْسُوا بِكُفَّارٍ، وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي تَكْفِيرَ مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ قلت:: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ وَلَمْ يَزَلْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ يَرَوْنَ الصَّلَاةَ وَرَاءَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَمُنَاكَحَتَهُمْ وَمُوَارَثَتُهُمْ وَإِجْرَاءَ سَائِرِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُحَقِّقِينَ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَكْفِيرِ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ لَا بِكُفْرَانِ الْخُرُوجِ عَنْ الْمِلَّةِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجَازَ الشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ أَقَامَهَا، يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْمُودٍ فِي دِينِهِ [أَيْ] أَنَّ أَبْلَغُ فِي مُخَالَفَةِ حَدِّ الدِّينِ هَذَا لَفْظُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ، وَإِلَّا فَتَجُوزُ وَغَيْرُهُ أَوْلَى.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَرْأَةِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ:"خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا تَؤُمَّنَّ الْمَرْأَةُ رَجُلًا"فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا أَمَارَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ، ثُمَّ يُعْذَرُ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَهَا، وَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ الرَّجُلِ خَلْفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا صَلَاةُ الْخُنْثَى خَلْفَ الْخُنْثَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ رَجُلًا، وَالْإِمَامُ امْرَأَةً".
الشرح: حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ وَلَا صَبِيٍّ خَلْفَ امْرَأَةٍ حَكَاهُ عَنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْعَبْدَرِيُّ، وَلَا خُنْثَى خَلْفَ امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى. لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الْخُنْثَى، وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَسَائِرُ النَّوَافِلِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - رحمهم الله، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: تَصِحُّ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَرَاءَهَا، حَكَاهُ عَنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْعَبْدَرِيُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَرَاءَهَا إلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا امْرَأَةٌ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ خُنْثَى أَوْ خُنْثَى خَلْفَ خُنْثَى، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خُنْثَى ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ