ج / 4 ص -109- قَالَ أَصْحَابُنَا: غَلَطٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَجِبُ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا حَكَى الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ: قَالَ الْقَفَّالُ: قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ تَعَمَّدَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِيهَا قَوْلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: أَنْكَرَ أَصْحَابُنَا عَلَى صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَقَالُوا: الْمَعْرُوفُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ.
قلت: الصَّوَابُ إثْبَاتُ قَوْلَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَرَأَيْتُ النَّصَّ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْهُ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَإِمَامٌ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ، وَوَجَّهَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِأَنَّ الْإِمَامَ الْعَامِدَ لِلصَّلَاةِ مُحْدِثًا مُتَلَاعِبٌ، وَلَيْسَتْ أَفْعَالُهُ صَلَاةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا فِي اعْتِقَادِهِ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ كَالْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ صَلَاتَهُ صَلَاةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ): إنَّ الْحَدَثَ يَخْفَى (فَيُجَابُ) عَنْهُ بِأَنَّهُ وَإِنْ خَفِيَ فَتَعَمُّدُ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ مُحْدِثًا نَادِرٌ، وَالنَّادِرُ لَا يُسْقِطُ الْإِعَادَةَ، وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ إذَا تَعَمَّدَ الْإِمَامُ، أَمَّا إذَا بَانَ إمَامُ الْجُمُعَةِ مُحْدِثًا فَإِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ تَمَّ دُونَهُ فَطَرِيقَانِ: أصحهما: أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ في"الأم"وَغَيْرِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ والثاني: فِي صِحَّتِهَا قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ.
والثاني: خَرَّجَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الِانْفِضَاضِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَهَذَا الطَّرِيقُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، لَكِنَّهُ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: هَذَا الْقَوْلُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ فَرَجَعَ إلَيْهِ لِيُسَبِّحَ فَأَدْرَكَهُ مَأْمُومٌ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا تُحْسَبُ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمُحْدِثِ جَاهِلًا بِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَتَجِبُ فِي الْجُمُعَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِمْ هُنَا، وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَلِمَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَدْرَكَ كَمَالَ الصَّلَاةِ أَوْ الرَّكْعَةَ مَعَ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ، أَمَّا مَنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا، وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ فَلَا تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ،
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي"شَرْحِ التَّلْخِيصِ"وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا أَنَّهُ تُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ، قَالُوا: وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَحْمِلُ عَنْ الْمَسْبُوقِ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ إذَا كَانَا مَحْسُوبَيْنِ لَهُ، وَلَيْسَا هُنَا مَحْسُوبَيْنِ لَهُ، وَمِثْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ: مَا إذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ خَامِسَةٍ قَامَ إلَيْهَا سَاهِيًا، الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُحْسَبُ لَهُ، وَقِيلَ: تُحْسَبُ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَبْسُوطَةً بِزِيَادَةِ فُرُوعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ