ج / 4 ص -114- فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَوَضِّئِ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ الَّذِي لَا يَقْضِي، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، قَالَ: وَكَرِهَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرَبِيعَةُ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَؤُمُّهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا أَوْ يَكُونُوا مُتَيَمِّمِينَ مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمِينَ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ لِلْقَائِمِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْقَاعِدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"صَلَّى جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ"وَيَجُوزُ لِلرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُومِئِ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَالْقِيَامِ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي فرع: مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ الله تعالى، وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الظُّهْرِ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ الْأَحَدِ، وَتُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الِاثْنَيْنِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ: رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ احْتِرَازٌ مِنْ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ أَوْ النَّجَسِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ عَجَزَ عَنْهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: رُكْنٌ فِعْلِيٌّ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ الصَّلَاةُ وَرَاءَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ، وَلِلْقَاعِدِ وَرَاءَ الْمُضْطَجِعِ، وَلِلْقَادِرِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرَاءَ الْمُومِئِ بِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْعَاجِزِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عِنْدَنَا.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ قَائِمًا، كَمَا اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الِاقْتِدَاءَ بِالْقَاعِدِ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَكْمَلُ وَأَقْرَبُ إلَى إكْمَالِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَّ قَاعِدًا وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِجَوَابَيْنِ: أحدهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ، وَكَانَ الِاسْتِخْلَافُ أَكْثَرَ، فَدَلَّ عَلَى فَضِيلَتِهِ، وَأَمَّ قَاعِدًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ الْجَوَابُ الثاني: أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ قَاعِدًا أَفْضَلُ مِنْهَا خَلْفَ غَيْرِهِ قَائِمًا بِدَرَجَاتٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
فرع: فِي مَذْهَبِ الْعُلَمَاءَِ قدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ وَرَاءَهُ قُعُودًا، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْحُمَيْدِيُّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ وَرَاءَهُ قُعُودًا، وَلَا تَجُوزُ قِيَامًا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ، وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ قَاعِدًا مُطْلَقًا. وَاحْتَجَّ لِمَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا".
وَاحْتَجَّ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ"