ج / 4 ص -117- وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ جَارِيَةٌ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ أُمِّيٌّ أَمْ جَهِلَ ذَلِكَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاقِينَ، وَشَذَّ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ: الْأَقْوَالُ إذَا كَانَ جَاهِلًا وَإِنْ عَلِمَ لَمْ تَصِحَّ قَطْعًا، وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلَوْ حَضَرَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْفَظُ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ فَإِنْ اتَّفَقَا فِي نِصْفٍ مُعَيَّنٍ جَازَ الِاقْتِدَاءُ، وَإِنْ حَفِظَ أَحَدُهُمَا النِّصْفَ الْأَوَّلَ وَالْآخَرُ الْآخَرَ فَأَيُّهُمَا صَلَّى خَلْفَ صَاحِبِهِ فَهُوَ قَارِئٌ خَلْفَ أُمِّيٍّ وَهَذَا يُفْهَمُ مِمَّا قَدَّمْتُهُ لَكِنْ أَفْرَدَتْهُ بِالذِّكْرِ كَمَا أَفْرَدَهُ الْأَصْحَابُ وَلِيُتَنَبَّهَ لَهُ، وَلَوْ صَلَّى مَنْ لَا يَحْفَظُ الْفَاتِحَةَ لَكِنَّهُ يَحْفَظُ سَبْعَ آيَاتٍ غَيْرَهَا خَلْفَ مَنْ لَا يَحْفَظُ قُرْآنًا بَلْ يُصَلِّي بِالْأَذْكَارِ فَهُوَ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ، خَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ اقْتَدَى أَرَتٌّ بِأَلْثَغَ فَهُوَ قَارِئٌ خَلْفَ أُمِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُحْسِنُ شَيْئًا لَا يُحْسِنُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا صَلَّى الْقَارِئُ خَلْفَ أُمِّيٍّ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، وَصَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَكَذَا الْمَأْمُومُونَ الْأُمِّيُّونَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْقَارِئِ وَالْأُمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ قِرَاءَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِسَبَبِ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ كَمَا لَوْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِرِجَالٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا قلنا: بِسَبَبِ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ لِئَلَّا يُورِدُوا مَا إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ الْجُمُعَةَ بِرِجَالٍ، فَإِنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ: حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَعْلِيقِهِ (أَرْجَحُهُمَا) : تَبْطُلُ صَلَاتُهَا والثاني: تَنْعَقِدُ ظُهْرًا، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ تَعْلِيقِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ الْإِيرَادُ وَإِنْ قُلْنَا: تَبْطُلُ فَمَا بَطَلَتْ لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بَلْ لِعَدَمِ شَرْطِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ إمَامَةُ رَجُلٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلِأَنَّ الْأُصُولَ الْمُقَرَّرَةَ مُتَّفِقَةً عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ لَا يَتَعَدَّى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَى الْمَأْمُومِ.1 والجواب: عَمَّا قَالُوهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْقِرَاءَةُ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْأَخْرَسِ إذَا أَمَّ نَاطِقًا فَإِنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَيُنْتَقَضُ بِالْأُمِّيِّ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ قَارِئٍ فَصَلَّى مُنْفَرِدًا صَحَّتْ بِالِاتِّفَاقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا لَحَنَ فِي الْقِرَاءَةِ كُرِهَتْ إمَامَتُهُ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَرَفْعِ الْهَاءِ مِنْ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) كَانَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَضَمِّ التَّاءِ مِنْ (أَنْعَمْتَ) أَوْ كَسْرِهَا، أَوْ يُبْطِلُهُ بِأَنْ يَقُولَ"الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِينَ"فَإِنْ كَانَ لِسَانُهُ يُطَاوِعُهُ وَأَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ فَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِلْحَرَامِ وَيَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّعَلُّمِ، فَإِنْ قَصَّرَ وَضَاقَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَقْضِي: وَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ أَوْ لَمْ يَمْضِ مَا يُمْكِنُ التَّعَلُّمُ فِيهِ صَلَاةُ مِثْلِهِ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ صَحِيحِ اللِّسَانِ خَلْفَهُ كَصَلَاةِ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ كُلِّ أَحَدٍ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّورَةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَلَا يُمْنَعُ الِاقْتِدَاءُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هكذا بالأصل ولعله"من صلاة المأموم إلى الإمام"لأن محور النزاع حول بطلان صلاة الإمام إذا بطلت صلاة المأمومين خلفه لأنوثته أو لأميته فالمتفق بطلان صلاة المأموم والمختلف عليه صلاة الإمام فليحرر"المطيعي".