ج / 4 ص -142- بَابُ: صَلَاةِ الْمَرِيضِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ:"صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ"وَكَيْفَ يَقْعُدُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَقْعُدُ مُتَرَبِّعًا لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقِيَامُ يُخَالِفُ قُعُودَ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَدَلُهُ مُخَالِفًا لَهُ والثاني: يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا لِأَنَّ التَّرْبِيعَ قُعُودُ الْعَادَةِ؛ وَالِافْتِرَاشَ قُعُودُ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ الِافْتِرَاشُ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ أَوْمَأَ إلَيْهَا وَقَرَّبَ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مِخَدَّةٍ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها سَجَدَتْ عَلَى مِخَدَّةٍ لِرَمَدٍ بِهَا".
الشرح: حَدِيثُ عِمْرَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَفِعْلُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ: وَقَوْلُهُ: أَوْمَأَ هُوَ بِالْهَمْزَةِ وَالْمِخَدَّةِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تُوضَعُ تَحْتَ الْخَدِّ، وَأُمُّ سَلَمَةَ سَبَقَ بَيَانُهَا كُنِّيَتْ بِابْنِهَا سَلَمَةَ وَهُوَ صَحَابِيٌّ.
وأما الأحكام:أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ صَلَّاهَا قَاعِدًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ عَنْ ثَوَابِهِ فِي حَالِ الْقِيَامِ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا". قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَجْزِ أَنْ لَا يَتَأَتَّى الْقِيَامُ وَلَا يَكْفِي أَدْنَى مَشَقَّةٍ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمَشَقَّةُ الظَّاهِرَةُ، فَإِذَا خَافَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً أَوْ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ خَافَ رَاكِبُ السَّفِينَةِ الْغَرَقَ أَوْ دَوَرَانَ الرَّأْسِ صَلَّى قَاعِدًا وَلَا إعَادَةَ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: الَّذِي أَرَاهُ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ لِأَنَّ الْخُشُوعَ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ جَلَسَ لِلْغُزَاةِ رَقِيبٌ يَرْقُبُ الْعَدُوَّ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ - وَلَوْ قَامَ لَرَآهُ الْعَدُوُّ، أَوْ جَلَسَ الْغُزَاةُ فِي مَكْمَنٍ، وَلَوْ قَامُوا لَرَآهُمْ الْعَدُوُّ وَفَسَدَ التَّدْبِيرُ - فَلَهُمْ الصَّلَاةُ قُعُودًا، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ لِنُدُورِهِ.
وَحَكَى الْمُتَوَلِّي قَوْلًا أَنَّ صَلَاةَ الْكَمِينِ قَاعِدًا لَا تَنْعَقِدُ، وَالْمَذْهَبُ الِانْعِقَادُ. وَلَوْ خَافُوا أَنْ يَقْصِدَهُمْ الْعَدُوُّ فَصَلَّوْا قُعُودًا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: أَجْزَأَتْهُمْ بِلَا إعَادَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا لِعَجْزِهِ فِي الْفَرِيضَةِ أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي النَّافِلَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِقُعُودِهِ هَيْئَةٌ مُشْتَرَطَةٌ بَلْ كَيْفَ قَعَدَ أَجْزَأَهُ لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ مِنْ الْهَيْئَاتِ فَفِي غَيْرِ حَالِ الْقِيَامِ يَقْعُدُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ لِلْمُصَلِّي قَائِمًا فَيَتَوَرَّكُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَيَفْتَرِشُ فِي سَائِرِ الْجِلْسَاتِ.
وَأَمَّا الْقُعُودُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْقِيَامِ وَفِي مَوْضِعِهِ فَفِي الْأَفْضَلِ مِنْهُ قَوْلَانِ وَوَجْهَانِ: أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ