ج / 4 ص -145- وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ - فَأَوْهَمَ أَنَّهُ لَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا مَشْهُورَانِ، وَهُوَ مِمَّنْ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُهَذَّبِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُؤَالُهُ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى: أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوْ غَيْرَهُ بَعَثَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْأَطِبَّاءِ عَلَى الْبُرْدِ، وَقَدْ وَقَعَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ، فَقَالُوا:"تُصَلِّي سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاك فَسَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ فَنَهَتَاهُ"وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ:"لَمَّا وَقَعَ فِي عَيْنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاءُ أَرَادَ أَنْ يُعَالَجَ مِنْهُ فَقِيلَ: تَمْكُثُ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا لَا تُصَلِّي إلَّا مُضْطَجِعًا فَكَرِهَهُ"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْأَجَلُ قَبْلَ ذَلِكَ؟"وَأَمَّا الَّذِي حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ أَنَّهُ اسْتَفْتَى عَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَبَاطِلٌ، لَا أَصْلَ لِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةِ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُهَذَّبِ وَرِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ مِنْ اسْتِفْتَاءِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ تُوُفِّيَتَا قَبْلَ خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَزْمَانٍ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ بَعَثَهُ أَنْ يَبْعَثَ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ، بَلْ بَعَثَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَزَمَنِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُسْتَكْثَرُ بَعْثُ الْبُرْدِ مِنْ مِثْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ خِلَافَتِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَشْرَافِهِمْ وَأَهْلِ الْوَجَاهَةِ وَالتَّمَكُّنِ وَبَسْطَةِ الدُّنْيَا، فَبَعْثُ الْبُرْدِ لَيْسَ بِصَعْبٍ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى مَنْ دُونَهُ بِدَرَجَاتٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَسْتَلْقِي عَلَى ظَهْرِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِرِجْلَيْهِ؛ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ هُوَ الْأَوَّلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَلِيٌّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَأَوْمَأَ بِطَرْفِهِ"وَلِأَنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَإِذَا اسْتَلْقَى لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ إلَّا بِرِجْلَيْهِ، وَيُومِئُ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه".
الشرح: حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْمَأَ - هُوَ بِالْهَمْزَةِ - قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقُعُودُ وَالْقِيَامُ، وَالْعَجْزُ الْمُعْتَبَرُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ. وَفَوَاتُ الْخُشُوعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَكْفِي ذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ تَصَوُّرِ الْقُعُودِ أَوْ خِيفَةُ الْهَلَاكِ أَوْ الْمَرَضُ الطَّوِيلُ إلْحَاقًا لَهُ بِالْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ هَذَا الْعَاجِزِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصحيح الْمَنْصُوصُ في"الأم"وَالْبُوَيْطِيِّ يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ وَمُقَدِّمِ بَدَنِهِ الْقِبْلَةَ كَالْمَيِّتِ فِي لَحْدِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ اضْطَجَعَ عَلَى يَسَارِهِ صَحَّ. وَكَانَ مَكْرُوهًا، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ. والثاني: أَنَّهُ يَسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَيَجْعَلُ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا لِيَرْتَفِعَ وَيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ لَا إلَى السَّمَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ والثالث: يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ وَيَعْطِفُ أَسْفَلَ قَدَمَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ