ج / 4 ص -155- طُرُقٍ أصحها وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ: الْقَصْرُ أَفْضَلُ.
والثاني: حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَحَكَاهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ، وَحَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ: أصحهما الْقَصْرُ أَفْضَلُ والثاني: الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَنَّاطِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَسَنُوضِحُ دَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ فِي فرع: مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْطَارِ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ. وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ قَوْلَيْنِ أصحهما هَذَا والثاني: الْفِطْرُ أَفْضَلُ، وَسَنُوضِحُ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إنْ شَاءَ الله تعالى.
فرع:فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الرُّخْصِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ أَقْسَامٌ أحدها: رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ وَلَهَا صُوَرٌ، مِنْهَا مَنْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إلَّا خَمْرًا وَجَبَتْ إسَاغَتُهَا بِهِ وَهِيَ رُخْصَةٌ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الثاني رُخْصَةُ تَرْكِهَا أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ، اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بِدَلِيلِهَا فِي بَابِهِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ. كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ الله تعالى، وَمِثْلُهُ التَّيَمُّمُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَتَوَضَّأَ وَيَتْرُكَ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ، وَكَذَا الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ، وَكَذَا إتْيَانُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ بِعُذْرِ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ الثالث رُخْصَةٌ يُنْدَبُ فِعْلُهَا وَذَلِكَ صُوَرٌ مِنْهَا الْقَصْرُ وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْقَصْرَ وَالْإِتْمَامَ جَائِزَانِ وَأَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ وَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةُ وَآخَرُونَ، وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فِي اثْنَيْ عَشْرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ أَنَسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي قِلَابَةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَآخَرُونَ: الْقَصْرُ وَاجِبٌ. قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وُجُوبَ الْقَصْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ وَجَابِرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُ وَتَقَعُ الْأَخِيرَتَانِ نَفْلًا وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ هَذَا الْقَدْرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ.