فهرس الكتاب

الصفحة 1436 من 4102

ج / 4 ص -157- جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَتَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ، وَتَأْوِيلُهُمَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ جَائِزًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَوْضَحْت فَسَادَهُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَضْمَرُوا فِيهِ: أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُقِيمٍ، وَأَضْمَرْنَا فِيهِ: إذَا أَرَادَ الْقَصْرَ، وَلَيْسَ أَضِمَارُهُمْ بِأُولَى مِنْ إضْمَارِنَا، وَمِمَّا يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَصْلٌ لَا مَقْصُورَةٌ، وَإِنَّمَا صَلَاةُ الْحَضَرِ زَائِدَةٌ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَقْصُورَةً، وَمَتَى خَالَفَ خَبَرُ الْآحَادِ نَصَّ الْقُرْآنِ أَوْ إجْمَاعًا وَجَبَ تَرْكُ ظَاهِرِهِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه"صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ": فَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْحَضَرِ وَقَوْلُهُ"تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ"مَعْنَاهُ تَامَّةُ الْأَجْرِ، هَذَا إذَا سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَإِلَّا فَقَدْ أَشَارَ النَّسَائِيُّ إلَى تَضْعِيفِهِ فَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ عُمَرَ وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قَوْلُهُ"عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ"وَهُوَ ثَابِتٌ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ: فَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالصُّبْحَ شُرِعَتَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَصْلِهِمَا لَا يَقْبَلَانِ تَغْيِيرًا بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ فَإِنَّهَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ أَرْبَعٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجُمُعَةُ وَالصُّبْحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرٍ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، فَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ كَالسَّفَرِ لَقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ وَلَا التَّرَخُّصُ بِشَيْءٍ مِنْ رُخَصِ الْمُسَافِرِينَ، لِأَنَّ الرُّخْصَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّقَ بِالْمَعَاصِي، وَلِأَنَّ فِي جَوَازِ الرُّخْصِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ".

الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا خَرَجَ مُسَافِرًا عَاصِيًا بِسَفَرِهِ بِأَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا أَوْ آبِقًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ نَاشِزَةً مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مُتَغَيِّبًا عَنْ غَرِيمِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى قَضَاءِ دِينِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِالْقَصْرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إلَّا الْمُزَنِيَّ فَجَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا التَّيَمُّمُ فَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِهِ أَنَّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أصحها يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ والثاني: يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ وَلَا إعَادَةَ والثالث: يَحْرُمُ التَّيَمُّمُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَيَكُونُ كَتَارِكِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا بِالتَّيَمُّمِ بِأَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَبِيحَ التَّيَمُّمِ وَسَائِرَ الرُّخَصِ. هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ خَرَجَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ سَفَرٍ مُبَاحٍ ثُمَّ نَقَلَهُ إلَى مَعْصِيَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ: حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ:

أحدهما: يَتَرَخَّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ السَّفَرَ انْعَقَدَ مُبَاحًا مُرَخَّصًا فَلَا يَتَغَيَّرُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهَذَا ظَاهِرُ النَّصِّ وأصحهما لَا يَتَرَخَّصُ مِنْ حِينِ نَوَى الْمَعْصِيَةَ لِأَنَّ سَفَرَ الْمَعْصِيَةِ يُنَافِي التَّرَخُّصَ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرَّافِعِيُّ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَنْ سَافَرَ مُبَاحًا إلَى مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَوَى فِي طَرِيقِهِ إنْ لَقِيت فُلَانًا رَجَعْت فَهَلْ لَهُ اسْتِدَامَةُ التَّرَخُّصِ؟ فِيهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت