ج / 4 ص -175- كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَخْرِيجِ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنْ الْحَائِضِ إلَى الْمُسَافِرِ وَعَكْسِهِ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أحدها: لَهُ الْقَصْرُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا والثاني: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ والثالث: لَهُ الْقَصْرُ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّ النَّقْلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُتَنَاقِضٌ وَيَنْدَفِعُ تَنَاقُضُهُ بِمَا ذَكَرْتُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يَبْطُلُ بِالْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فَمَعْنَاهُ لَوْ أُعْتِقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا وَأَمْكَنَتْ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُ الظُّهْرِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِحَالِ الْفِعْلِ لَا بِتَعَيُّنِ الْفِعْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ: يَقْصُرُ، وَلَوْ فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ كَمَا سَبَقَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَقْصُرُ، وَلَوْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَلَهُ قَصْرُهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَفِيهِ التَّخْرِيجُ السَّابِقُ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ"وَرَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ"وَفِي السَّفَرِ الَّذِي لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ قَوْلَانِ: أحدهما: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَجَازَ فِيهِ الْجَمْعُ كَالسَّفَرِ الطَّوِيلِ والثاني: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ عِبَادَةٍ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَجُزْ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَالْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ".
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ"وَجَدَّ بِهِ السَّيْرُ" [أَيْ] أَسْرَعَ، وَمَذْهَبُنَا: جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ الصُّبْحِ إلَى غَيْرِهَا، وَلَا الْمَغْرِبِ إلَى الْعَصْرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَصِيرِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أصحهما بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ. وَالْقَدِيمَةِ جَوَازُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ أَنَّ رُخَصَ السَّفَرِ ثَمَانٍ، مِنْهَا مُخْتَصٌّ بِالطَّوِيلِ وَجَائِزٌ فِيهِمَا وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْحُجَّاجُ مِنْ الْآفَاقِ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَاتٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِإِجْمَاعٍ، وَفِي سَبَبِ هَذَا الْجَمْعِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَبِهِ قَطَعَ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ والثاني: بِسَبَبِ النُّسُكِ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.