ج / 4 ص -180- ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ الْأُولَى بَطَلَتَا جَمِيعًا وَلَهُ إعَادَتُهُمَا جَامِعًا؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ فَوُجُودُهُمَا كَالْعَدَمِ؛ وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى فَإِنْ قَرُبَ الْفصل:بَنَى عَلَيْهَا؛ وَمَضَتْ الصَّلَاتَانِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ لِطُولِ الْفصل:بِفِعْلِ الثَّانِيَةِ الْبَاطِلَةِ؛ وَيَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا؛ وَلَوْ لَمْ يَدْرِ أَتَرَكَهُ مِنْ الْأُولَى؟ أَمْ الثَّانِيَةِ؟ لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّرْكِ مِنْ الْأُولَى، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِاحْتِمَالِ التَّرْكِ مِنْ الثَّانِيَةِ؛ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ تَخْرِيجًا مِمَّا إذَا أُقِيمَتْ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا فَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ وَالْمَذْهَبُ: امْتِنَاعُ الْجَمْعِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى؛ فَإِنْ أَرَادَهُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا قَدْرٌ يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرُ، فَإِنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْفَرْضَ عَصَى وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً يَمْتَنِعُ قَصْرُهَا إذَا مَنَعْنَا قَصْرَ الْمَقْضِيَّةِ فِي السَّفَرِ. وَأَمَّا التَّرْتِيبُ وَنِيَّةُ الْجَمْعِ حَالَ الصَّلَاةِ وَالْمُوَالَاةِ فَفِيهَا طَرِيقَانِ الصحيح: مِنْهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَلَوْ تَرَكَهَا كُلَّهَا صَحَّ الْجَمْعُ (وَالطَّرِيقُ الثاني: قَالَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ: الصحيح: هَذَا والثاني: أَنَّهَا وَاجِبَاتٌ حَتَّى لَوْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً لَا يَجُوزُ قَصْرُهَا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ قَصْرَ مَقْضِيَّةِ السَّفَرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ"دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ؛ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِجَمْعِ الْمُسَافِرِ.
إحداها: إذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا فَصَارَ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الثَّانِيَةِ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ، أَوْ وُصُولِ سَفِينَتِهِ دَارَ الْإِقَامَةِ بَطَلَ الْجَمْعُ فَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِهَا أَمَّا الْأُولَى فَصَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ، وَلَوْ صَارَ مُقِيمًا فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أحدهما: يَبْطُلُ الْجَمْعُ كَمَا يَمْتَنِعُ الْقَصْرُ بِالْإِقَامَةِ فِي أَثْنَائِهَا، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ تَبْطُلُ الثَّانِيَةُ أَمْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نَظَائِرِهَا أصحهما: تَنْقَلِبُ نَفْلًا، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. والثاني: مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ: لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ انْعَقَدَتْ عَلَى صِفَةٍ فَلَمْ تَتَغَيَّرْ بِعَارِضٍ كَصَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي السَّفَرِ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِيهَا، وَيُخَالِفُ الْقَصْرَ فَإِنَّ الْإِتْمَامَ لَا يُبْطِلُ فَرْضِيَّةَ مَا مَضَى.
أَمَّا إذَا صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْجَمْعِ فَهُنَا أَوْلَى؛ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ كَمَا لَوْ قَصَرَ ثُمَّ أَقَامَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ