فهرس الكتاب
ج / 1 ص -21- يَرِدُ عَلَيْهِ: شَدِيدُ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:وَمَا سِوَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَالنَّبِيذِ وَمَا اُعْتُصِرَ مِنْ الثَّمَرِ أَوْ الشَّجَرِ، لَا يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَلَا إزَالَةُ النَّجَسِ بِهِ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فَأَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِغَيْرِهِ،"وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنها فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ"فَأَوْجَبَ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ.
الشرح: أَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ، لَكِنْ عَنْ أَسْمَاءَ"أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ"وَفِي رِوَايَةٍ:"فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ"هَذَا لَفْظُهُ فِي الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ وَلَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ، لَكِنْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي"الأم"كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَنْ أَسْمَاءَ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ رِوَايَتَهُ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ بِغَلَطٍ، بَلْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُرَادُ: مَتْنُ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ اعْتَنَى الْمُصَنِّفُ بِتَحْقِيقِ الْحَدِيثِ وَأَتَى بِرِوَايَةِ"الصحيحين"لَكَانَ أَكْمَلَ لَهُ وَأَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَعْنَى حُتِّيهِ حُكِّيهِ، وَمَعْنَى اُقْرُصِيهِ قَطِّعِيهِ وَاقْلَعِيهِ بِظُفْرِكِ، وَالدَّمُ مُخَفَّفُ الْمِيمِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَتُشَدَّدُ الْمِيمُ فِي لُغَةٍ، وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لَيْسَ بِالْمَفْهُومِ، بَلْ أَمْرٌ بِالتَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ بِالْمَاءِ فَمَنْ غَسَلَ بِمَائِعٍ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: وَهُوَ أَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ: أَنَّهُ يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَسِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إلَّا الدَّمْعَ فَإِنَّ الْأَصَمَّ يُوَافِقُ عَلَى مَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ عَلَى شَرْطٍ سَأَذْكُرُهُ فِي فَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ، وَأَذْكُرُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ فِي فَرْعٍ آخَرَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى. وَاحْتُجَّ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّهُ: مَائِعٌ طَاهِرٌ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانُوا يَعْدَمُونَ الْمَاءَ فِي أَسْفَارِهِمْ وَمَعَهُمْ الدُّهْنُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَمَا نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ مَاءٍ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ الْمَاءَ جَمَعَ اللَّطَافَةَ وَعَدَمَ التَّرْكِيبِ مِنْ أَجْزَاءٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إنْ صَحَّ عَنْهُ، وَأَمَّا الْأَصَمُّ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَ الْأَصَمِّ فِي"تهذيب الأسماء واللغات"، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي"الإشراف"وَكِتَابِ الْإِجْمَاعِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالشَّجَرِ وَالْعُصْفُرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ نَقْلَ الْغَزَالِيِّ.