فهرس الكتاب
ج / 1 ص -22- فرع: أَمَّا النَّبِيذُ فَلَا يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ عِنْدَنَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ عَسَلٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهَا مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَشَّ وَأَسْكَرَ فَهُوَ نَجَسٌ يَحْرُمُ شُرْبُهُ، وَعَلَى شَارِبِهِ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَنِشَّ1 فَطَاهِرٌ لَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْجُمْهُورُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ إحداهن: يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ الْمَطْبُوخِ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَعُدِمَ الْمَاءُ والثانية: يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ والثالثة: يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا الرابعة: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ وَقَالَ يَتَيَمَّمُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ، كَذَا قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ، قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ مَنْسُوخٌ، وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ الْوُضُوءُ بِكُلِّ نَبِيذٍ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ.
وَاحْتُجَّ لِمَنْ جَوَّزَ بِرِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي فَزَارَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: هَلْ فِي إدَاوَتِكَ مَاءٌ ؟ قَالَ: لَا إلَّا نَبِيذُ تَمْرٍ، قَالَ: ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، وَتَوَضَّأَ بِهِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفْعُهُ:"النَّبِيذُ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ"وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مَوْقُوفَاتٌ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْآيَةِ:"فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا"وَقَدْ سَبَقَ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ، فَمَنْ تَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَلَهُمْ أَسْئِلَةٌ ضَعِيفَةٌ عَلَى الْآيَةِ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَبِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"قَالَ:"الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِمْ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْبَيْعِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْهُ كَالِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَةِ."
وَمِنْ الْقِيَاسِ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ حَضَرًا لَمْ يَجُزْ سَفَرًا كَمَاءِ الْوَرْدِ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلَمْ يَجُزْ مَعَ عَدَمِهِ كَمَاءِ الْبَاقِلَّا؛ وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَأَشْبَهَ الْخَمْرَ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ كَالْخَلِّ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ شُبَهِهِمْ فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ الْمُحَدِّثِينَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ حُرَيْثٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي"صحيح مسلم"عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ:"سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا: اُسْتُطِيرَ أَوْ اُغْتِيلَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ ؟ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إذْ هُوَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ"وَفِي"صحيح مسلم"أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ"، فَثَبَتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نشت الخمر إذا أخذت تغلي (ط)