فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 4102

ج / 1 ص -23- بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ عَلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ النَّبِيذِ بُطْلَانُ احْتِجَاجِهِمْ.

وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا مَعَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةٍ أحدها: أَنَّهُ حَدِيثٌ مُخَالِفٌ الْأُصُولَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ والثاني: أَنَّهُمْ شَرَطُوا لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ السَّفَرَ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي شِعَابِ مَكَّةَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ الثالث: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: نَبِيذٌ أَيْ مَاءٌ نُبِذَتْ فِيهِ تَمَرَاتٌ لِيَعْذُبَ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا، وَهَذَا تَأْوِيلٌ سَائِغٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ"فَوَصَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئَيْنِ لَيْسَ النَّبِيذُ وَاحِدًا مِنْهُمَا.

فَإِنْ قِيلَ: فَابْنُ مَسْعُودٍ نَفَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ. وَأَثْبَتَ النَّبِيذَ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ مُعَدٌّ لِلطَّهَارَةِ، وَأَثْبَتَ أَنَّ مَعَهُ مَاءً نَبَذَ فِيهِ تَمْرًا مُعَدًّا لِلشُّرْبِ، وَحَمْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ. الرابع: أَنَّ النَّبِيذَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ نَقِيعٌ لَا مَطْبُوخٌ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَطْبُخُهُ، وَإِنَّمَا تُلْقِي فِيهِ حَبَّاتِ تَمْرٍ حَتَّى يَحْلُوَ فَتَشْرَبَهُ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَجْوِبَةً كَثِيرَةً غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةً.

وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآثَارُ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ، وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ عَنْهَا أَجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَضْيِيعِ الْوَقْتِ بِذِكْرِهَا بِلَا فَائِدَةٍ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ وَأَنْصَفَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنْتَصِرُ لَهُمْ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: إنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إلَى الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا أَصْلَ لَهُ فَلَا مَعْنَى لِتَطْوِيلِ كِتَابِي بِشَيْءٍ فِيهِ.

فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ إلَّا بِالْمَاءِ، فَلَا تَجُوزُ بِخَلٍّ وَلَا بِمَائِعٍ آخَرَ، وَمِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَدَاوُد: يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ بِكُلِّ مَائِعٍ يَسِيلُ إذَا غُسِلَ بِهِ ثُمَّ عُصِرَ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَلَا يَجُوزُ بِدُهْنٍ وَمَرَقٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ.

وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ: بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَصَعَتْهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ أَذْهَبَتْهُ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي فَأَجُرُّهُ عَلَى الْمَكَانِ الْقَذِرِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا"حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالدَّلَالَةُ مِنْ هَذَيْنِ، كَهِيَ مِمَّا قَبْلَهُمَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت