ج / 4 ص -246- الرابعة: الْأَعْمَى إنْ وَجَدَ قَائِدًا مُتَبَرِّعًا أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَهُوَ وَاجِدُهَا لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَإِلَّا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي: تَلْزَمُهُ إنْ أَحْسَنَ الْمَشْيَ بِالْعَصَا بِلَا قَائِدٍ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَعْمَى الَّذِي يَجِدُ قَائِدًا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الزَّمِنِ إنْ وَجَدَ مَرْكُوبًا مِلْكًا، أَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ، وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الرُّكُوبُ وَإِلَّا فَلَا تَلْزَمُهُ، قَالُوا: وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ الْعَاجِزُ عَنْ الْمَشْيِ لَهُ حُكْمُ الزَّمِنِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ أَوْ الْقَرْيَةِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ"وَالِاعْتِبَارُ فِي سَمَاعِ النِّدَاءِ أَنْ يَقِفَ الْمُؤَذِّنُ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، وَالرِّيحُ سَاكِنَةٌ، وَهُوَ مُسْتَمِعٌ فَإِذَا سَمِعَ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لَمْ يَلْزَمْهُ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَمْرٍو، وَاَلَّذِي رَفَعَهُ ثِقَةٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ - فَذَكَرَ حَدِيثًا شَاهِدًا لَهُ - وَرَاوِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُصَحَّفَ بِابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي النِّدَاءِ لُغَتَانِ كَسْرُ النُّونِ وَضَمُّهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ وَجَبَ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِيهِ وَإِنْ اتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْبَلَدِ فَرَاسِخَ، وَسَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَمْ لَا، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الْمُقِيمُونَ فِي غَيْرِ قَرْيَةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنْ بَلَغُوا أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ فَعَلُوهَا فِي قَرْيَتِهِمْ فَقَدْ أَحْسَنُوا، وَإِنْ دَخَلُوا الْبَلَدَ وَصَلَّوْهَا مَعَ أَهْلِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَكَانُوا مُسِيئِينَ بِتَعْطِيلِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي قَرْيَتِهِمْ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ1 الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسِيئِينَ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُ الْجُمُعَةَ فِي قَرْيَةٍ فَفِيمَا فَعَلُوهُ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَغَلَّطَ الْأَصْحَابُ قَائِلَهُ. أَمَّا إذَا نَقَصُوا عَنْ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ فَلَهُمْ حَالَانِ.
أحدهما: أَنْ لَا يَبْلُغَهُمْ النِّدَاءُ مِنْ قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا جُمُعَةٌ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ أَوْ قُرًى مُتَقَارِبَةٌ يَبْلُغُ بَعْضَهَا النِّدَاءُ مِنْ بَعْضِهَا، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ يَنْقُصُ أَهْلُهَا عَنْ أَرْبَعِينَ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي بَعْضِهَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَوَطِّنِينَ فِي مَحَلِّ الْجُمُعَةِ.
الثاني: أَنْ يَبْلُغَهُمْ النِّدَاءُ مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَيَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: الْمُعْتَبَرُ نِدَاءُ رَجُلٍ عَالِي الصَّوْتِ يَقِفُ عَلَى طَرَفِ الْبَلَدِ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْقَرْيَةَ، وَيُؤَذِّنُ وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةٌ، فَإِذَا سَمِعَ صَوْتَهُ مَنْ وَقَفَ فِي طَرَفِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّذِي يَلِي بَلَدَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ أَصْغَى إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي سَمْعِهِ خَلَلٌ وَلَا جَاوَزَ سَمْعُهُ فِي الْجَوْدَةِ عَادَةَ النَّاسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بألاصل فحرر قلت لعل السقط ( الغزالي ) (ط)