ج / 4 ص -299- الرُّكُوعُ، يَعْنِي التَّنَفُّلَ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُزَنِيِّ؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ يَمْتَنِعُ بِمُجَرَّدِ جُلُوسِ الْإِمَامِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَذَانِ، قَالُوا: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ انْقَطَعَ التَّنَفُّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إذَا دَخَلَ دَاخِلٌ، وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ وَيُخَفِّفَهُمَا وَيُكْرَهُ تَرْكُهُمَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ"إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ"وَإِنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ صَلَّى التَّحِيَّةَ فَاتَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ، بَلْ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَقْعُدُ لِئَلَّا يَكُونَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ صَلَّى التَّحِيَّةَ، هَكَذَا فَصَّلَهُ الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الشَّامِلِ، وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَةٌ كَمَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَإِطْلَاقُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ. قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْخُطْبَةِ قَدْرًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ: إذَا دَخَلَ، وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ - وَلَا يُمْكِنُهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ - فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا، وَأَرَى الْإِمَامَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاتِهِمَا، وَيَزِيدَ فِي كَلَامِهِ مَا يُمْكِنُهُ إكْمَالُهُمَا فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هَذَا نَصُّهُ وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ليست الغرابة من أسباب توهين الحديث إلا في حالة ما إذا عارض الغريب ماله شواهد أو متابعات وحينئذ يكون الغريب شاذا ومقابله المحفوظ (ط)
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَيُخَفِّفَهُمَا وَيُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالْمَقْبُرِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْحُمَيْدِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَآخَرُونَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَشُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يُصَلِّي شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: إنْ شَاءَ صَلَّى وَإِلَّا فَلَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"إذَا خَطَبَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ"وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ.وَالْجوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ غَرِيبٌ 1والثاني: لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْخُطْبَةِ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، وَيَجُوزُ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَإِذَا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْزِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ الْمِنْبَرِ فَيَقُومُ مَعَهُ الرَّجُلُ فَيُكَلِّمُهُ فِي الْحَاجَةِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلَى مُصَلَّاهُ فَيُصَلِّي"وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِ صَلَاةٍ وَلَا حَالِ اسْتِمَاعٍ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَلَامِ، وَإِذَا بَدَأَ الْخُطْبَةَ أَنْصَتَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَنْصَتَ لِلْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى