ج / 4 ص -298- ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ قَالَ:"قُعُودُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ السُّبْحَةَ، وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ، وَأَنْهَمْ كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ عُمَرُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، حَتَّى يَقْضِيَ الْخُطْبَتَيْنِ، فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ وَنَزَلَ عُمَرُ تَكَلَّمُوا"وَلِأَنَّ التَّنَفُّلَ فِي هَذَا الْحَالِ يَمْنَعُ الِاسْتِمَاعَ إلَى ابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ فَكُرِهَ، فَإِنْ دَخَلَ [رَجُلٌ] - وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ - صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"فَإِنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُصَلِّ؛ لِأَنَّهُ تَفُوتُهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ فَرْضٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِالنَّفْلِ"."
الشرح: حَدِيث جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ في"الأم"بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِمَعْنَاهُ وَثَعْلَبَةُ هَذَا صَحَابِيٌّ1 رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: فَقَدْ أَخْبَرَ ثَعْلَبَةُ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي دَارِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَكَلَّمُونَ، وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَقَوْلُهُ"يَقْطَعُ السُّبْحَةَ"هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَهِيَ النَّافِلَةُ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ فَوَائِدُ: منها: جَوَازُ الصَّلَاةِ حَالَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْكَلَامِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالتَّنَفُّلِ مَا لَمْ يَقْعُدْ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَانْقِطَاعِ النَّافِلَةِ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْأَذَانِ، وَجَوَازُ الْكَلَامِ حَالَ الْأَذَانِ. وقول المصنف: (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ) مَعْنَاهُ يُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَهُ.
أما الأحكام: فقال أَصْحَابُنَا: إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ امْتَنَعَ ابْتِدَاءُ النَّافِلَةِ، وَنَقَلُوا الْإِجْمَاعَ فِيهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ جَلَسَ، وَهَذَا إجْمَاعٌ. هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إذَا ابْتَدَأَ الْخُطْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةً سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى السُّنَّةَ أَمْ لَا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ انْقَطَعَ التَّنَفُّلُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهَا، فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ خَفَّفَهَا، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا قُلْنَا: الْإِنْصَاتُ سُنَّةٌ جَازَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْقِرَاءَةِ وَصَلَاةِ النَّفْلِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْإِنْصَاتُ وَاجِبٌ حَرُمَ ذَلِكَ، هَذَا كَلَامُهُ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْإِنْصَاتَ أَمْ لَا، فَإِنْ خَرَجَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَا تَبْطُلُ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً يَدْخُلُ فِيهِ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيَبْقَى حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَدْ انْقَطَعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو ثعلبة بن أبي مالك القرظي ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولثعلبة وأبيه قصة فأبوه واسمه عبد الله من كنده وقدم أبو مالك هذا من اليمن على دين اليهود ونزل في بني قريظة فنسب إليهم ولم يكن منهم وهذا دليل على بطلان دعوى اليهود أنهم من نسل الانبياء إذ مقتضى نسبة رجل من كنده إلى دين اليهود والتحاقة ببني قريظة ومثله كثير في تاريخ اليهود أن تكون دعواهم لا أساس لها (ط) .