فهرس الكتاب
ج / 1 ص -31- الرَّائِحَةِ يَسْلُبُ، فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا فَلَا، وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا صِفَةُ التَّغَيُّرِ، فَإِنْ كَانَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا، سَلَبَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ زَعْفَرَانٍ فَاصْفَرَّ قَلِيلًا أَوْ صَابُونٌ أَوْ دَقِيقٌ فَابْيَضَّ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ طَهُورٌ، صَحَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالثَّانِي: لَيْسَ بِطَهُورٍ، نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَفَّالُ، وَوَجْهُهُ الْقِيَاسُ عَلَى النَّجَاسَةِ، فَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ: بِأَنَّ بَابَ النَّجَاسَةِ أَغْلَظُ.
( وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفصل) : فَالطُّحْلُبُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَالنُّورَةُ بِضَمِّ النُّونِ حِجَارَةٌ رَخْوَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ فَتُنْحَلُ، وَفِي الْبَاقِلَّاءِ لُغَتَانِ إحْدَاهُمَا: تَشْدِيدُ اللَّامِ مَعَ الْقَصْرِ وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَالثَّانِيَةُ: تَخْفِيفُ اللَّامِ مَعَ الْمَدِّ وَيُكْتَبُ بِأَلِفٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَنْعِ الطَّهَارَةِ بِالْمُتَغَيِّرِ ( بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ، وَالْمَاءُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ هُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَاوُد، وَكَذَا أَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالزَّعْفَرَانِ وَكُلِّ طَاهِرٍ، سَوَاءٌ قَلَّ التَّغَيُّرُ أَوْ كَثُرَ بِشَرْطِ كَوْنِهِ يَجْرِي لَا ثَخِينًا إلَّا مَرَقَةَ اللَّحْمِ وَمَرَقَةَ الْبَاقِلَّاءِ، وَلِهَذَا رَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ كَمَاءِ اللَّحْمِ وَالْبَاقِلَّاءِ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إلَى إلْزَامِ الْمُخَالِفِ بِمَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ. وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا وَضَعِيفٌ، وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطُّحْلُبِ وَشَبَهِهِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاعْتَمَدُوهُ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِمَاءِ الْبَاقِلَّاءِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أُدْمًا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِهِ أُدْمًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ طُبِخَ فِيهِ حَنْظَلٌ وَغَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ التَّطَهُّرُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ أُدْمًا، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْأُدْمِيَّةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِزَوَالِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَاءِ الزَّعْفَرَانِ، فَإِنَّهُ صَارَ صِبْغًا وَطِيبًا وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَسُّهُ، وَيَلْزَمُهُ بِهِ الْفِدْيَةُ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الطُّحْلُبِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الطُّحْلُبَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا - صَاحِبُ"الحاوي"وَغَيْرُهُ: سَوَاءٌ فِي مُخَالَطَةِ الطَّاهِرِ لِلْمَاءِ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْحُكْمُ فِي كُلِّ ذَاكَ وَاحِدٌ عَلَى مَا سَبَقَ.
فرع: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ اعْتَرَضَ مُتَكَلِّفٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي فَرْقِهِمْ بَيْنَ الْمُجَاوَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ فَزَعَمَ: أَنَّ الزَّعْفَرَانَ مُلَاقَاتُهُ أَيْضًا مُجَاوَرَةٌ، فَإِنَّ تَدَاخُلَ الْأَجْرَامِ مُحَالٌ قُلْنَا لَهُ: مَدَارِكُ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَآخِذِ، بَلْ تُؤْخَذُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ أَفْهَامُ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا فِيمَا بُنِيَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَعْنًى، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرْبَابَ اللِّسَانِ لُغَةً وَشَرْعًا قَسَّمُوا التَّغَيُّرَ إلَى مُجَاوَرَةٍ وَمُخَالَطَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَا يُسَمَّى مُخَالَطَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُجَاوَرَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَالنَّظَرُ إلَى تَصَرُّفِ اللِّسَانِ .
فرع: حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً مُتَغَيِّرًا بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ مَاءً فَاشْتَرَاهُ لَمْ يَقَعْ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ