فهرس الكتاب
ج / 1 ص -32- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا يَخْتَلِطُ بِهِ فَغَيَّرَ1 رَائِحَتَهُ كَالدُّهْنِ وَالطِّيبِ وَالْعُودِ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ2 كَالْمُتَغَيِّرِ بِزَعْفَرَانٍ، وَرَوَى الْمُزَنِيّ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ عَنْ مُجَاوَرَةٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ رَائِحَتُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِالزَّعْفَرَانِ وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِطُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ مِنْ جِهَةِ الْمُجَاوَرَةِ".
الشرح: هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ: رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ كِبَارِ الْعِرَاقِيِّينَ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ"المجموع"وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُقْنِعِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ، وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرِ الْمَقْدِسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الزَّاهِدُ فِي كِتَابَيْهِ التَّهْذِيبِ وَالِانْتِخَابِ وَغَيْرُهُمْ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَالْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمسألة:الثَّانِيَةِ الْجَوَازُ أَيْضًا.
وَاعْلَمْ: أَنَّ الْمسألة:الْأُولَى - مسألة:الْقَوْلَيْنِ - لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رَائِحَةٍ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: عِنْدِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالرَّائِحَةِ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِانْفِصَالِ أَجْزَاءٍ وَاخْتِلَاطِهَا، وَالرَّائِحَةُ تَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا تَتَغَيَّرُ رَائِحَتُهُ بِمَا عَلَى طَرَفِ الْمَاءِ لَا طَعْمُهُ وَلَوْنُهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ لَا نَعْرِفُهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَّا مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى: بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَإِطْلَاقِهِمْ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شَيْخُ الْأَصْحَابِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُهُ الْمَحَامِلِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ الْمَاءِ الَّذِي يَنْجُسُ: وَاَلَّذِي لَا يَنْجُسُ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا يَخْتَلِطُ كَالْعُودِ الصُّلْبِ وَالْعَنْبَرِ أَوْ الدُّهْنِ الطَّيِّبِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِطُ، وَلَكِنْ لَوْ غَيَّرَ بَعْضَ أَوْصَافِهِ، فَهُوَ مُطَهِّرٌ، وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلٌ لَا يَخْتَلِطُ بِهِ كَعُودٍ وَعَنْبَرٍ وَدُهْنٍ فَلَا بَأْسَ. قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُغَيِّرَ أَوْصَافَ الْمَاءِ أَوْ لَا يُغَيِّرَهُ، فَهَذَا لَفْظُهُمَا، وَقَوْلُهُمَا: أَحَدُ أَوْصَافِهِ، صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ فَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ، وَقَوْلُهُ: كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ يَعْنِي جِيفَةً مُلْقَاةً خَارِجَ الْمَاءِ قَرِيبَةً مِنْهُ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَضُرُّ الْجِيفَةُ قَطْعًا بَلْ الْمَاءُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ رَائِحَتُهُ فَوَجْهَانِ، فَقَدْ اضْطَرَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَصْوِيرِهَا، وَمِمَّنْ نَقَّحَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ: مَنْ فَسَّرَ الْكَافُورَ هُنَا بِالصُّلْبِ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ قَلِيلُ فَائِدَةٍ وَلَا مَعْنًى؛ وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ هِيَ الْمسألة:الْأُولَى بِعَيْنِهَا، وَالصَّوَابُ: أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَكُونَ رَخْوًا لَكِنَّهُ قَلِيلٌ، بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ فِي أَقْطَارِ الْمَاءِ لِقِلَّتِهِ، بَلْ يُسْتَهْلَكُ فِي مَوْضِعِ وُقُوعِهِ، فَإِذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي (فتغيرت يه رائحته ) (ط)
2 في الركبي (كما يجوز بما تغير بالزعفران ) (ط)