فهرس الكتاب
ج / 1 ص -33- تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ الْجَمِيعِ عُلِمَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ فَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الْمسألة:السَّابِقَةِ مسألة:الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُغَيِّرُ لَمْ يُجَاوِرْ الْجَمِيعَ، فَكَيْفَ يُقَالُ تَغَيَّرَ الْجَمِيعُ بِالْمُجَاوَرَةِ ؟ قُلْنَا: لَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُغَيِّرِ لِمُجَاوِرِهِ مُجَاوَرَتُهُ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُخَالِطُ، بَلْ يَكْفِي مُجَاوَرَةُ بَعْضِهِ كَمَا فِي الدُّهْنِ وَالْعُودِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخَالِطِ وَالْمُجَاوِرِ، هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو. وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابَيْهِ الْبَيَانِ وَمُشْكِلَاتِ"المهذب": أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَخْتَلِطُ أَجْزَاؤُهُ بِالْيَسِيرِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ بِهِ رَائِحَةُ جَمِيعِ الْمَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْفُورَانِيُّ فَقَالَ فِي الْإِبَانَةِ: الْيَسِيرُ مِنْ الْكَافُورِ الَّذِي يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ وَيَذُوبُ فِيهِ، بِحَيْثُ لَا يَصِلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَتَرَوَّحَ بِهِ فِيهِ وَجْهَانِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ صُورَةِ الْكِتَابِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِلْكَافُورِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يُعْلَمُ انْحِلَالُهُ فِي الْمَاءِ فَيَسْلُبُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ، وَحَالٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْحَلَّ فَلَا يَسْلُبُ؛ لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ، وَحَالٌ يُشَكُّ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ يَسْلُبُ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِرَائِحَةٍ فَوَجْهَانِ. هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَافُورٍ كَثِيرٍ؛ لِيُوَافِقَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: هَذَا أَوَّلُ1 مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَهُمَا أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رحمهم الله - فَأَمَّا الْبُوَيْطِيُّ بِضَمِّ الْبَاءِ فَمَنْسُوبٌ إلَى بُوَيْطٍ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ الْأَدْنَى، وَهُوَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى أَكْبَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّينَ وَخَلِيفَتُهُ فِي حَلْقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، أَوْصَى الشَّافِعِيُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي حَلْقَتِهِ الْبُوَيْطِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَجْلِسِي مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي أَعْلَمَ مِنْهُ. وَدَامَ فِي حَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ جَرَتْ فِتْنَةُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَحَمَلُوهُ إلَى بَغْدَادَ مُقَيَّدًا لِيَقُولَ بِخَلْقِهِ فَأَبَى وَصَبَرَ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَبَسُوهُ وَدَامَ فِي الْحَبْسِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِيهِ، وَجَرَى لَهُ فِي السِّجْنِ أَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ، وَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ رضي الله عنه طَوِيلَ الصَّلَاةِ وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ الرَّبِيعُ: مَا رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ بَعْدَ مَا فَطِنْتُ لَهُ إلَّا رَأَيْتُ شَفَتَيْهِ يَتَحَرَّكَانِ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ، قَالَ: وَكَانَ لَهُ مِنْ الشَّافِعِيِّ مَنْزِلَةٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ رُبَّمَا سَأَلَ الشَّافِعِيَّ مسألة:فَيَقُولُ: سَلْ أَبَا يَعْقُوبَ، فَإِذَا أَجَابَهُ أَخْبَرَهُ فَيَقُولُ: هُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ الرَّبِيعُ: وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْزَعَ بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْبُوَيْطِيِّ وَرُبَّمَا جَاءَ إلَى الشَّافِعِيِّ رَسُولُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، فَيُوَجِّهُ الشَّافِعِيُّ الْبُوَيْطِيَّ وَيَقُولُ: هَذَا لِسَانِي.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ أَبِي الْجَارُودِ: كَانَ الْبُوَيْطِيُّ جَارِي، وَمَا انْتَبَهْتُ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ إلَّا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وَيُصَلِّي، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنْتَ يَا فُلَانُ يَجْرِي لَكَ كَذَا وَأَنْتَ كَذَا وَقَالَ لِلْبُوَيْطِيِّ: سَتَمُوتُ فِي حَدِيدِكَ، فَكَانَ كَمَا تَفَرَّسَ، جَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا ذَكَرَهُ، وَدُعِيَ الْبُوَيْطِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَأَبَى، فَقُيِّدَ وَحُمِلَ إلَى بَغْدَادَ، قَالَ الرَّبِيعُ: رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ وَفِي رِجْلَيْهِ أَرْبَعُ حِلَقٍ، قُيُودٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَطْلًا وَفِي عُنُقِهِ غُلٌّ مَشْدُودٌ إلَى يَدِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي السِّجْنِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ رحمه الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يعني للمصنف وإلا فالشارح ذكرهما في مقدمته وترجمناها في حواشي هذا الجزء راجع ص (84) (ط)