فهرس الكتاب
ج / 1 ص -34- وَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَهُوَ نَاصِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَبُو إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ نَهْدَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ الْمُزَنِيّ زَاهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا مُنَاظِرًا مِحْجَاجًا غَوَّاصًا عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ، صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا الْجَامِعُ الْكَبِيرُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَ"المختصر"وَالْمَنْثُورُ، وَالْمَسَائِلُ الْمُعْتَبَرَةُ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْعِلْمِ، وَكِتَابُ الْوَثَائِقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُزَنِيّ نَاصِرُ مَذْهَبِي، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَمَّا جَرَى لِلْبُوَيْطِيِّ مَا جَرَى كَانَ الْقَائِمُ بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّفْقِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْمُزَنِيَّ، وَأَنْشَدَ الْمَنْصُورُ الْفَقِيهُ:
لَمْ تَرَ عَيْنَايَ وَتَسْمَعْ أُذُنِي أَحْسَنَ نَظْمًا مِنْ كِتَابِ الْمُزَنِيِّ
وَأَنْشَدَ أَيْضًا فِي فَضَائِلِ"المختصر"وَذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ كِتَابًا صُنِّفَ فِي الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ نَفْعًا وَأَعَمَّ بَرَكَةً وَأَكْثَرَ ثَمَرَةً مِنْ مُخْتَصَرِهِ، قَالَ: وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَاعْتِقَادُهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اجْتِهَادُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ فِي جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ، ثُمَّ اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ فِي تَصْنِيفِ الْكُتُبِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمَا وَجَمَعَنَا فِي جَنَّتِهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ - رحمه الله - قَالَ: مَنْ تَتَبَّعَ"المختصر"حَقَّ تَتَبُّعِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مسألة:مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إلَّا وَقَدْ ذَكَرَهَا تَصْرِيحًا أَوْ إشَارَةً، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ إمَامِ الْأَئِمَّةِ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ: مَكَثْتُ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَلَّفْتُهُ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ وَغَيَّرْتُهُ، وَكُنْتُ كُلَّمَا أَرَدْتُ تَأْلِيفَهُ أَصُومُ قَبْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأُصَلِّي كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ نَاظَرَ الْمُزَنِيّ الشَّيْطَانَ لَقَطَعَهُ. وَهَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمُزَنِيُّ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّافِعِيِّ سِتِّينَ سَنَةً يُقْصَدُ مِنْ الْآفَاقِ وَتُشَدُّ إلَيْهِ الرَّحَّالُ، حَتَّى صَارَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كَالْمُزَنِيِّ لَكَانَ صَادِقًا، وَذَكَرُوا مِنْ مَنَاقِبِهِ فِي أَنْوَاعِ طُرُقِ الْخَيْرِ جُمَلًا نَفِيسَةً لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَوْضِعُ عُشْرَ مِعْشَارِهَا. وَهِيَ مُقْتَضَى حَالِهِ وَحَالِ مَنْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ، تُوُفِّيَ الْمُزَنِيّ بِمِصْرَ وَدُفِنَ يَوْمَ الْخَمِيسِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُقَالُ كَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ، ذَكَرْتُهَا تَنْبِيهًا لِلْمُتَفَقِّهِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّهُمَا، وَقَدْ اسْتَقْصَيْتُ أَحْوَالَهُمَا بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الطَّبَقَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَقَوْلُهُ: قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مَعْنَاهُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَسُمِّيَ الْكِتَابُ بِاسْمِ مُصَنِّفِهِ مَجَازًا، كَمَا يَقُولُ: قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا وَالتِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ وَسِيبَوَيْهِ وَنَظَائِرَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ: إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ قَطِرَانٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ رِيحُهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ إذَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ، كَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ، وَعَكَسَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَغَيْرُهُمَا، فَقَدَّمُوا النَّصَّ الْمُؤَخَّرَ، وَلَعَلَّ النُّسَخَ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ عَلَى حَالَيْنِ، فَقَوْلُهُ: يَجُوزُ أَرَادَ إنْ لَمْ يَخْتَلِطْ