فهرس الكتاب
ج / 4 ص -332- الْفصل الْخَامِسُ: فِي الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَالتَّقْبِيلِ وَنَحْوِهَا وَفِيهِ مَسَائِلُ:
إحداها: الْمُصَافَحَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ التَّلَاقِي لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ"قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:"أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَامَ إلَيْهِ فَصَافَحَهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَتَلَاقَيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا"وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:"قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ نَعَمْ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ عِنْدَ كُلِّ لِقَاءٍ، وَأَمَّا مَا أَعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمُصَافَحَةِ سُنَّةٌ، وَكَوْنُهُمْ خَصُّوهَا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ وَفَرَّطُوا فِي أَكْثَرِهَا لَا يُخْرِجُ ذَلِكَ الْبَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مَشْرُوعَةً فِيهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَ الْمُصَافَحَةِ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلِيقٍ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْذَرَ مِنْ مُصَافَحَةِ الْأَمْرَدِ وَالْحَسَنِ، فَإِنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: كُلُّ مِنْ حُرِّمَ النَّظَرُ إلَيْهِ حُرِّمَ مَسُّهُ وَقَدْ يَحِلُّ النَّظَرُ مَعَ تَحْرِيمِ الْمَسِّ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَجُوزُ مَسُّهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. الثانية: يُكْرَهُ حَنْيُ الظَّهْرِ فِي كُلِّ حَالٍ لِكُلِّ أَحَدٍ لِحَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَقَوْلُهُ:"أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا"وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ وَنَحْوِهِمَا.
الثالثة: الْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ إكْرَامِ الدَّاخِلِ بِالْقِيَامِ لَهُ إنْ كَانَ فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ شَرَفٍ أَوْ وِلَايَةٍ مَعَ صِيَانَةٍ أَوْ لَهُ حُرْمَةٌ بِوِلَايَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَيَكُونُ هَذَا الْقِيَامُ لِلْإِكْرَامِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ السَّلَفِ لِلْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا وَقَدْ جَمَعْتُ فِي هَذَا جُزْءًا مُسْتَقِلًّا جَمَعْتُ فِيهِ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ وَأَقْوَالَ السَّلَفِ وَأَفْعَالَهُمْ الدَّالَّةَ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا خَالَفَهَا، وَأَوْضَحْتُ الْجَوَابَ عَنْهَا.
الرابعة: يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ يَدِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَالزَّاهِدِ وَالْعَالِمِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَأَمَّا تَقْبِيلُ يَدِهِ لِغِنَاهُ وَدُنْيَاهُ وَشَوْكَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَجُوزُ فَأَشَارَ إلَى تَحْرِيمِهِ وَتَقْبِيلُ رَأْسِهِ وَرِجْلِهِ كَيَدِهِ وَأَمَّا تَقْبِيلُ خَدِّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَوَلَدِ قَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ صِغَارِ الْأَطْفَالِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ فَسُنَّةٌ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ بِالشَّهْوَةِ فَحَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي وَلَدِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، بَلْ النَّظَرُ بِالشَّهْوَةِ حَرَامٌ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْقُبْلَةِ بِشَهْوَةٍ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ إلَّا زَوْجَتُهُ وَجَارِيَتُهُ