فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 4102

ج / 1 ص -39- وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا، وَهُمَا أَيْضًا ثِقَتَانِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاضْطِرَابِ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ أَجَابَ أَصْحَابُنَا وَجَمَاعَاتٌ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ رِوَايَةَ الْمُحَمَّدَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ، وَذَكَرَ طُرُقَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَبَيَّنَهَا أَحْسَنَ بَيَانٍ، ثُمَّ قَالَ: فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الْحَاكِمُ يَقُولُ: الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا وَكِلَاهُمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ، وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: غَلِطَ أَبُو أُسَامَةَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ. وَأَطْنَبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ بِدَلَائِلِهِ فَحَصَلَ أَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ وَقَالُوا بِهِ وَاعْتَمَدُوهُ فِي تَحْدِيدِ الْمَاءِ، وَهُمْ الْقُدْوَةُ وَعَلَيْهِمَا الْمُعَوَّلُ فِي هَذَا الْبَابِ. فَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ.

قُلْتُ: وَقَدْ سَلَّمَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إمَامُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحَدِيثِ وَالذَّابُّ عَنْهُمْ بِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ دَفَعَهُ وَاعْتَذَرَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ بِدَافِعٍ وَلَا عُذْرٍ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ رَوَى قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا: بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ الْمَعْرُوفَةَ الْمَشْهُورَةَ قُلَّتَيْنِ، وَرِوَايَةُ الشَّكِّ شَاذَّةٌ غَرِيبَةٌ فَهِيَ مَتْرُوكَةٌ فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا نَعْلَمُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ فَالْمُرَادُ: قِلَالُ هَجَرَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ مَشْهُورَةً يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ فَقَالَ:"رُفِعْتُ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ، وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ"فَعُلِمَ بِهَذَا: أَنَّ الْقِلَالَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَهُمْ مَشْهُورَةٌ، وَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّدُ لَهُمْ أَوْ يُمَثِّلُ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ وَلَا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ ؟

فَإِنْ قَالُوا: رُوِيَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً، وَرُوِيَ أَرْبَعِينَ غَرْبًا، وَهَذَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا نُقِلَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَرْبَعِينَ غَرْبًا أَيْ دَلْوًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَبَقَ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا مَا نَعْتَمِدُهُ فِي الْجَوَابِ. وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا، بَلْ يُحْمَلُ، عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ صِغَارٌ تَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ فَقَطْ، فَإِنْ قَالُوا: يُحْمَلُ عَلَى الْجَارِي فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْجَارِيَ وَالرَّاكِدَ، فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِلَا دَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّ تَوْقِيتَهُ بِقُلَّتَيْنِ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْجَارِي عِنْدَهُمْ.

فَإِنْ قَالُوا: لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتْرُوكٌ بِ"الإجماع"فِي الْمُتَغَيِّرِ بِنَجَاسَةٍ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ عَامٌّ خُصَّ فِي بَعْضِهِ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْأُصُولِ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ صَحَّ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طُرُقِ الثِّقَاتِ، فَلَا يَضُرُّ تَفَرُّدُ وَاحِدٍ لَمْ يَحْفَظْهُ تَوَقُّفُهُ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ إمَامِ هَذَا الشَّأْنِ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: جَيِّدُ الْإِسْنَادِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ لَمْ يَدْفَعْهُ، قَالَ يَحْيَى: وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْحَدِيثُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ.

فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا لِضَعْفِهِ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، فَالْجَوَابُ: مَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ إنَّ هَذَا جَهْلٌ بِمَعَانِي الْكَلَامِ وَبِطُرُقِ الْحَدِيثِ، أَمَّا جَهْلُ قَائِلِهِ بِطُرُقِ الْحَدِيثِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت