فهرس الكتاب
ج / 1 ص -38- رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ الْخَامِسُ: إنْ كَانَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا لَمْ يَنْجُسْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّادِسُ: إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ جَانِبُهُ، تَحَرَّكَ الْجَانِبُ الْآخَرُ نَجِسَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالسَّابِعُ: لَا يَنْجُسُ كَثِيرُ الْمَاءِ وَلَا قَلِيلُهُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، حَكَوْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد وَنَقَلُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالنَّخَعِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهَذَا الْمَذْهَبِ أَقُولُ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ:"هُوَ اخْتِيَارِي وَاخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ رَأَيْتُهُمْ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ"وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَصَحُّهَا بَعْدَ مَذْهَبِنَا.
وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَشْيَاءَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلَالَةٌ، لَكِنِّي أَذْكُرُهَا لِبَيَانِ جَوَابِهَا إنْ أُورِدَتْ عَلَى ضَعِيفِ الْمَرْتَبَةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ"حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا: وَرُوِيَ أَنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِنَزْحِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ يَزِيدُ عَلَى قُلَّتَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ يَنْجُسُ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ إذَا قَلَّ، فَكَذَا إذَا كَثُرَ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ تُيُقِّنَ حُصُولُ نَجَاسَةٍ فِيهِ فَهُوَ كَالْقَلِيلِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ:"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا"، وَفِي رِوَايَةٍ"لَمْ يَنْجُسْ"وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا سَبَقَ، وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَكَانَتْ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَخِرَقُ الْحِيَضِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَسَبَقَ: أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهَذِهِ الْبِئْرُ كَانَتْ صَغِيرَةً كَمَا سَبَقَ بَيَانُهَا، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ مِنْ مِثْلِهَا.
قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّمَا تَوَضَّأَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَارِيَةً، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْعُ وَالْبَسَاتِينُ، وَكَذَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ. قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا غَلَطٌ وَلَمْ تَكُنْ بِئْرُ بُضَاعَةَ جَارِيَةً بَلْ كَانَتْ وَاقِفَةً؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ ضَبَطُوا بِئْرَ بُضَاعَةَ وَعَرَّفُوهَا فِي كُتُبِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ يَجْرِي، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَذَكَرْنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ قُتَيْبَةَ وَمَا وَصَفَهُ هُوَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: مَا نَقَلُوهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْوَاقِدِيَّ رحمه الله ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِ الْمُتَّصِلَةِ، فَكَيْفَ بِمَا يُرْسِلُهُ أَوْ يَقُولُهُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالُوا: وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْعُ، لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْقَى مِنْهَا بِالدَّلْوِ وَالنَّاضِحِ عَمَلًا بِمَا نَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ فِي صِفَتِهَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَعُمْدَتُنَا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُضْطَرِبٌ؛ لِأَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ تَارَةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ جَعْفَرٍ، وَتَارَةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَرُوِيَ تَارَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ، وَتَارَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا اضْطِرَابٌ ثَانٍ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا، بَلْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُمَا ثِقَتَانِ مَعْرُوفَانِ،