فهرس الكتاب
ج / 1 ص -42- وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْمسألة:جُمْلَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ ذَكَرْنَاهَا وَبِجَمِيعِهَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ، وَلَمْ يَرُدَّ مِنْهَا شَيْئًا، وَهَذِهِ عَادَتُهُ رحمه الله فِي تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ وَجَمْعِهِ بَيْنَ أَطْرَافِهَا وَرَدِّهِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، وَسَتَرَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهَا، مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، وَتَزْدَادُ اعْتِقَادًا فِي الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِهِ، فَلَيْسَ الْخَبَرُ الْجُمَلِيُّ كَالْعِيَانِ التَّفْصِيلِيِّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فرع: نَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ رحمه الله مَذْهَبًا عَجِيبًا فَقَالُوا: انْفَرَدَ دَاوُد بِأَنْ قَالَ: لَوْ بَالَ رَجُلٌ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَضَّأَ هُوَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ"، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ: وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَهُ، وَلَوْ بَالَ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ صَبَّهُ فِي مَاءٍ، أَوْ بَالَ فِي شَطِّ نَهْرٍ، ثُمَّ جَرَى الْبَوْلُ إلَى النَّهْرِ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ هُوَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَا بَالَ فِيهِ، بَلْ فِي غَيْرِهِ. قَالَ: وَلَوْ تَغَوَّطَ فِي مَاءٍ جَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَغَوَّطَ وَلَمْ يَبُلْ، وَهَذَا مَذْهَبٌ عَجِيبٌ وَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَهُوَ أَشْنَعُ مَا نُقِلَ عَنْهُ إنْ صَحَّ عَنْهُ رحمه الله، وَفَسَادُهُ مُغْنٍ عَنْ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا أَعْرَضَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُعْتَنِينَ بِذِكْرِ الْخِلَافِ عَنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ بَعْدَ حِكَايَتِهِمْ مَذْهَبَهُ وَقَالُوا: فَسَادُهُ مُغَنٍّ عَنْ إفْسَادِهِ، وَقَدْ خَرَقَ"الإجماع"فِي قَوْلِهِ فِي الْغَائِطِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَوْلِ، ثُمَّ فَرْقُهُ بَيْنَ الْبَوْلِ فِي نَفْسِ الْمَاءِ وَالْبَوْلِ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ يُصَبُّ فِي الْمَاءِ مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ.
وَمِنْ أَخْصَرِ مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَبَّهَ بِالْبَوْلِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ التَّغَوُّطِ وَبَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ:"إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا،"وَأَجْمَعُوا: أَنَّ السِّنَّوْرَ كَالْفَأْرَةِ فِي ذَلِكَ، وَغَيْرُ السَّمْنِ مِنْ الدُّهْنِ كَالسَّمْنِ، وَفِي الصَّحِيحِ"إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ"فَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَغَسَلَهُ إنْ قَالَ دَاوُد: لَا يَطْهُرُ لِكَوْنِهِ مَا غَسَلَهُ هُوَ، خَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَإِنْ قَالَ: يَطْهُرُ فَقَدْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى وَنَاقَضَ قَوْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: رحمه الله تعالى:"وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ بِقِلَالِ هَجَرَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ مِنْهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا، فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله الشَّيْءَ نِصْفًا احْتِيَاطًا، وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ تَسَعُ كُلُّ قِرْبَةٍ مِائَةَ رِطْلٍ فَصَارَ الْجَمِيعُ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ، وَهَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَقْرِيبٌ فَإِنْ نَقَصَ مِنْهُ رِطْلٌ أَوْ رِطْلَانِ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ فِي الْعَادَةِ وَالثَّانِي: تَحْدِيدٌ فَلَوْ نَقَصَ مَا نَقَصَ نَجِسَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ احْتِيَاطًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ صَارَ ذَلِكَ فَرْضًا"1
الشرح: ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي الْقُلَّتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ غَيْرُهُمْ: أَنَّهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ وَالثَّانِي: سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ صَاحِبِ الْكَافِي، قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ، قَالَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ: وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعكوفين ليس في ش و ق (ط)