فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 4102

ج / 1 ص -43- الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ هُوَ الْأَقْصَدُ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَاهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ شَاذٌّ مَرْدُودٌ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْغَزَالِيُّ بِأَبْطَلَ مِنْهُ وَأَكْثَرَ فَسَادًا فَزَعَمَ: أَنَّ الْقُلَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ اسْتِقْلَالِ الْبَعِيرِ، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا لَا حَاصِلَ لَهُ وَلَا أَصْلَ وَلَا وَجْهَ. الثالث: أَنَّهُمَا أَلْفُ رِطْلٍ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي زَيْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَهُوَ شَيْخُ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ.

قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: عُلِمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله لَمْ يَرَ قِلَالَ هَجَرَ وَلَا أَهْلَ عَصْرِهِ لِنَفَادِهَا، فَاحْتَاجَ إلَى بَيَانِهَا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ وَمُشَاهَدٌ لَهُمْ، فَقَدَّرَهَا بِقِرَبِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ وَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ،، وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيدًا لِابْنِ جُرَيْجٍ، بَلْ قَبُولَ أَخْبَارِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّافِعِيُّ لِتَقْدِيرِ الْقِرَبِ بِالْأَرْطَالِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي بَلَدِهِ بِالْقِرَبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ كَمَا اكْتَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْقِلَالِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ عَنْ تَقْدِيرِهَا. قَالَ: ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بَعُدُوا عَنْ الْحِجَازِ وَغَابَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْقِرَبُ، وَجَهِلَ الْعَوَامُّ مِقْدَارَهَا فَاضْطُرُّوا إلَى تَقْدِيرِهَا بِالْأَرْطَالِ، فَاخْتَبَرُوا قِرَبَ الْحِجَازِ، ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ. قَالَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ جَابِرٍ، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ ثُمَّ تَابَعَهُمَا سَائِرُ أَصْحَابِنَا، فَصَارَتْ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَرْطَالِ لَيْسَ هُوَ لِلشَّافِعِيِّ، بَلْ لِأَصْحَابِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ: الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَحْكِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: خَمْسُ قِرَبٍ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ، وَكَذَا نَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: أَنَّهُ شَاهَدَ الْقِرَبَ، وَأَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ.

هَذَا حَدُّ الْقُلَّةِ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ شِبْهُ جُبٍّ يَسَعُ جِرَارًا، سُمِّيَتْ قُلَّةً؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ يُقِلُّهَا أَيْ يَحْمِلُهَا، وَكُلُّ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ فَقَدْ أَقْلَلْتَهُ، قَالَ: وَالْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْقُرَى الْعَرَبِيَّةِ، وَقِلَالُ هَجَرَ مِنْ أَكْبَرِهَا. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: رُوِيَ فِي الْخَبَرِ بِقِلَالِ هَجَرَ، يَعْنِي: الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ"إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا"، هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الشَّافِعِيُّ، فِي"الأم"وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ، وَهَجَرُ هَذِهِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَ هَجَرَ هَذِهِ، وَتِلْكَ فِي"تهذيب الأسماء واللغات"وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: كَانَ ابْتِدَاءُ عَمَلِ هَذِهِ الْقِلَالِ بِهَجَرَ، فَنُسِبَتْ إلَيْهَا ثُمَّ عُمِلَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَبَقِيَتْ النِّسْبَةُ عَلَى مَا كَانَتْ، كَمَا يُقَالُ: ثِيَابٌ مَرْوَزِيَّةٌ1، وَإِنْ كَانَتْ تُعْمَلُ بِبَغْدَادَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 النسبة إلى مرو مروزي وهذا قاصر على من يعقل أما الثياب والخيل والسيوف وسائر الأشياء فإنها تنسب إلى مرو فيقال: ثياب مروية وخيول مروية (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت