فهرس الكتاب
ج / 1 ص -44- قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ، لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الْمَكَايِيلُ وَالصِّيعَانُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْبُلْدَانِ، قَالَ: وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا وَأَشْهَرُهَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ صَاحِبُ الْخِلَافِ: سَأَلْتُ قَوْمًا مِنْ ثِقَاتِ هَجَرَ فَذَكَرُوا: أَنَّ الْقِلَالَ بِهَا لَا تَخْتَلِفُ، وَقَالُوا: قَايَسْنَا قُلَّتَيْنِ فَوَجَدْنَاهُمَا خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا، فَهُوَ شَكٌّ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَدْرِ كُلِّ قُلَّةٍ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ رحمه الله يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا التَّقْسِيمَ، وَيَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْقُلَّةِ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ لِاخْتِلَافِهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ تَقْدِيرٌ، فَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لِلشَّكِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ"الحاوي"وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَخَلَائِقُ، وَهُوَ مُوَافِقُ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ وَعَنْ نَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ: أَنَّ هَذِهِ الْقِلَالَ مُتَسَاوِيَةٌ، وَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجَعَلُوا هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِرَاضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُمْ الْقِلَالُ تَخْتَلِفُ فَقَالُوا: بَلْ هِيَ مُتَّفِقَةٌ كَمَا سَبَقَ، وَبِالضَّرُورَةِ نَقْطَعُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يَضْبِطُ بِمُبْهَمٍ مَجْهُولٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ ضَبْطٌ بَلْ شَكٌّ وَنِزَاعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الرِّطْلُ فَيُقَالُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَيَكُونُ الرِّطْلُ كَيْلًا وَوَزْنًا، وَاخْتَلَفُوا فِي رِطْلِ بَغْدَادَ، فَقِيلَ: مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا بِدَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَوْسُقِ، وَ"مختصره"مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: إحْدَاهَا بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ: بِإِهْمَالِ الْأُولَى وَإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةُ: بَغْدَانُ بِالنُّونِ وَالرَّابِعَةُ مَغْدَانُ أَوَّلُهَا مِيمٌ، ذَكَرَهُنَّ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَآخَرُونَ، وَحَكَوْهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَتُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: هَذَا بَغْدَادُ وَهَذِهِ بَغْدَادُ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ: وَمَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ الصَّنَمِ، وَقِيلَ: بُسْتَانُ الصَّنَمِ. قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: الْفُقَهَاءُ يَكْرَهُونَ تَسْمِيَتَهَا بَغْدَادَ مِنْ أَجْلِ هَذَا، وَسَمَّاهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مَدِينَةُ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ دِجْلَةَ كَانَ يُقَالُ لَهَا: وَادِي السَّلَامِ وَيُقَالُ: لَهَا الزَّوْرَاءُ أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ هُنَا لِتَكَرُّرِهَا فِي الْكِتَابِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: هَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا، فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ: الْأَصَحُّ التَّحْدِيدُ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ كَجٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَصَحَّحَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ، وَمِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ غَيْرَ أَبِي إِسْحَاقَ وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: التَّقْرِيبُ.