فهرس الكتاب
ج / 1 ص -45- فَإِنْ قُلْنَا: تَحْدِيدٌ. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَقَصَ مَا نَقَصَ نَجِسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَقْرِيبٌ لَمْ يَضُرَّ النَّقْصُ الْقَلِيلُ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ وَيَجْمَعُهَا أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ وَيَضُرُّ مَا زَادَ، وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ وَآخَرِينَ، وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي"الوسيط"عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَالثَّانِي: لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ وَيَضُرُّ مَا زَادَ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ. وَالثَّالِثُ: لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةٍ وَمَا قَارَبَهَا، قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي"المجموع"وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ. وَالرَّابِعُ: لَا يَضُرُّ نَقْصُ مِائَةِ رِطْلٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَهَذَا قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ حَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي، وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَيْسَ بَيَانًا لِلتَّقْرِيبِ، وَكَأَنَّهُ رَدَّ الْقُلَّتَيْنِ إلَى أَرْبَعِمِائَةِ رِطْلٍ وَطَرَحَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَسْتُ أَعُدُّ كَلَامَهُ هَذَا مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ. وَالْخَامِسُ: اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِمِقْدَارٍ مُغَيِّرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ قِيلَ: التَّقْدِيرُ بِالْأَرْطَالِ رُجُوعٌ إلَى التَّحْدِيدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ تَحْدِيدًا، فَهُوَ غَيْرُ التَّحْدِيدِ الَّذِي قَالَهُ الْقَائِلُ بِالتَّحْدِيدِ وَنَفَاهُ الْقَائِلُ بِالتَّقْرِيبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْدِيدَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ هُوَ التَّحْدِيدُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ وَهَذَا غَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِهِ: لِأَنَّ الشَّيْءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ فِي الْعَادَةِ، فَمَعْنَاهُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ دُونَ النِّصْفِ وَاحِدٌ وَشَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ نِصْفًا قَالُوا: وَاحِدٌ وَنِصْفٌ فَإِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ قَالُوا: اثْنَانِ إلَّا شَيْئًا فَيَسْتَعْمِلُونَ الشَّيْءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي دُونِ النِّصْفِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَمَّا وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ احْتِيَاطًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ صَارَ فَرْضًا، فَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَذَكَرُوا مِثْلَهُ وُجُوبَ إمْسَاكِ لَحْظَةٍ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الصَّائِمِ لِتَيَقُّنِ اسْتِيفَاءِ النَّهَارِ. وَالْفَرْقُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالتَّقْرِيبِ: أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَجْهِ مُحَقَّقٌ وُجُوبُهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ. وَهُنَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الشَّيْءَ نِصْفٌ لِيَتَعَيَّنَ اسْتِيفَاؤُهُ، وَجَعَلْنَاهُ نِصْفًا احْتِيَاطًا، وَالِاحْتِيَاطُ لَا يَجِبُ.
فرع: ابْنُ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورُ بِجِيمَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَكِّيُّ أَبُو الْوَلِيدِ، وَيُقَالُ أَبُو خَالِدٍ مِنْ كِبَارِ تَابِعِ التَّابِعِينَ، وَمِنْ جُلَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَفُضَلَاءِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي سِلْسِلَةِ الْفِقْهِ وَسِلْسِلَتِي مُتَّصِلَةٌ بِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي خَالِدٍ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ إمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ وَمُفْتِيهِمْ، وَتَفَقَّهَ الزِّنْجِيُّ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطَاءٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي التَّهْذِيبِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رضي الله عنه: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: ابْنُ جُرَيْجٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْحِجَازِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ