ج / 5 ص -83- أَجْمَعَتْ أَنْ للمَرْأَةِ غُسْل زَوْجِهَا، وَكَذَا نَقَل الإِجْمَاعَ غَيْرُهُ وَأَمَّا: الرِّوَايَةُ التِي نَقَلهَا صَاحِبُ الشَّامِل وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا ليْسَ لهَا غُسْلهُ، فَإِنْ ثَبَتَتْ عَنْهُ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالإِجْمَاعِ قَبْلهُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَلمْ يَكُنْ لهَا زَوْجٌ غَسَّلهَا النِّسَاءُ، وَأَوْلاهُنَّ ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ثُمَّ ذَاتُ رَحِمٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّةُ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ نِسَاءٌ غَسَّلهَا الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ الرِّجَال عَلى مَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَ لهَا زَوْجٌ جَازَ لهُ غُسْلهَا، لمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالتْ:"رَجَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ البَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا وَأَقُول: وَا رَأْسَاهْ فَقَال: بَل أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهْ، ثُمَّ قَال: وَمَا ضَرَّك لوْ مُتِّ قَبْلي لغَسَّلتُك وَكَفَّنْتُك وَصَليْتُ عَليْك وَدَفَنْتُك"وَهَل يُقَدَّمُ عَلى النِّسَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يُقَدَّمُ لأَنَّهُ يَنْظُرُ إلى مَا لا يَنْظُرُ النِّسَاءُ مِنْهَا والثاني: يُقَدَّمُ النِّسَاءُ عَلى التَّرْتِيبِ الذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ نِسَاءٌ فَأَوْلى الأَقْرِبَاءِ بِالصَّلاةِ فَإِنْ لمْ يَكُنْ فَالزَّوْجُ، وَإِنْ طَلقَ زَوْجَتَهُ طَلقَةً رَجْعِيَّةً ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل الرَّجْعَةِ فَإِنْ لمْ يَكُنْ للآخَرِ غُسْلهُ لأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَليْهِ تَحْرِيمَ المَبْتُوتَةِ".
الشَّرْحُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ المَغَازِي، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مُدَلسٌ، وَإِذَا قَال المُدَلسُ: عَنْ لا يُحْتَجُّ بِهِ، وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ"لوْ مُتِّ قَبْلي لغَسَّلتُك"بِاللامِ، وَاَلذِي رَأَيْتُهُ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ"فَغَسَّلتُك"بِالفَاءِ وَيُقَال: مِتّ بِضَمِّ المِيمِ وَكَسْرِهَا لغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالبَقِيعُ بِالبَاءِ فِي أَوَّلهِ وَهُوَ بَقِيعُ الغَرْقَدِ مَدْفَنُ أَهْل المَدِينَةِ.
أَمَّا الأَحْكَامُ: فَفِي الفَصْل مَسَائِل:
إحداها: إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ ليْسَ لهَا زَوْجٌ غَسَّلهَا النِّسَاءُ ذَوَاتُ الأَرْحَامِ المَحَارِمِ كَالأُمِّ وَالبِنْتِ وَبِنْتِ الابْنِ وَبِنْتِ البِنْتِ وَالأُخْتِ وَالعَمَّةِ وَالخَالةِ وَأَشْبَاهِهِنَّ، ثُمَّ ذَوَاتُ الأَرْحَامِ غَيْرِ المَحَارِمِ كَبِنْتِ العَمِّ وَبِنْتِ العَمَّةِ وَبِنْتِ الخَال وَبِنْتِ الخَالةِ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُنَّ فَأَقْرَبُهُنَّ، قَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: وَبَعْدَ هَؤُلاءِ يُقَدَّمُ ذَوَاتُ الوَلاءِ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ فَالأَجْنَبِيَّات، وَيَرِدُ عَلى المُصَنِّفِ إهْمَالهُ ذَوَاتَ الوَلاءِ، قَال البَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ اجْتَمَعَ امْرَأَتَانِ كُل وَاحِدَةٍ ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَأَوْلاهُمَا مَنْ هِيَ فِي مَحَل العُصُوبَةِ، لوْ كَانَتْ ذَكَرًا فَتُقَدَّمُ العَمَّةُ عَلى الخَالةِ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ نِسَاءٌ أَصْلًا غَسَّلهَا الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ رِجَال المَحَارِمِ عَلى مَا سَبَقَ فِيمَا إذَا مَاتَ رَجُلٌ فَيُقَدَّمُ الأَبُ ثُمَّ الجَدُّ ثُمَّ الابْنُ عَلى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ.
وَفِي كَلامِ المُصَنِّفِ إشْكَالٌ، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي غُسْلهَا كُل مَنْ يُقَدَّمُ فِي غُسْل الرَّجُل مِنْ الرِّجَال. فَيَدْخُل فِي ذَلكَ ابْنُ العَمِّ وَلا خِلافَ أَنَّهُ لا حَقَّ لهُ فِي غُسْلهَا فَإِنَّهُ ليْسَ مَحْرَمًا، وَإِنْ كَانَ لهُ حَقٌّ فِي الصَّلاةِ فَمُرَادُهُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ الرِّجَال المَحَارِمِ، وَلقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ البَيَانِ فِي مُشْكِلاتِ المُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا، فَرَتَّبَهُ عَلى أَنَّ ابْنَ العَمِّ لا يَجُوزُ لهُ غُسْلهَا بَل هُوَ كَالأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الأَكْثَرُونَ قَدْ أَهْمَلوا بَيَانَهُ وَاَللهُ أَعْلمُ.