فهرس الكتاب
ج / 5 ص -87- وَأَمَّا الصَّلاةُ عَلى الكَافِرِ وَالدُّعَاءُ لهُ بِالمَغْفِرَةِ فَحَرَامٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَالإِجْمَاعِ، وَقَدْ ذَكَرَ المُصَنِّفُ مَسْأَلةَ الصَّلاةِ فِي آخِرِ بَابِ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ. قَال الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ وَالأَصْحَابُ: وَيَجُوزُ للمُسْلمِ اتِّبَاعُ جِنَازَةِ قَرِيبِهِ الكَافِرِ وَأَمَّا زِيَارَةُ قَبْرِهِ فَالصَّوَابُ جَوَازُهَا وَبِهِ قَطَعَ الأَكْثَرُونَ. وَقَال صَاحِبُ الحَاوِي: لا يَجُوزُ، وَهَذَا غَلطٌ، لحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال:"قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلمْ يَأْذَنْ لي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لي"رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لهُ:"فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ". وَأَمَّا حَدِيثُ عَليٍّ المَذْكُورُ فِي الكِتَابِ فِي غُسْلهِ أَبَاهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ.
المسألة الثالثة: إذَا مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ جَازَ لزَوْجِهَا المُسْلمِ غُسْلهَا، وَكَذَا لسَيِّدِهَا إنْ لمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً وَلا مُعْتَدَّةً وَلا مُسْتَبْرَأَةً، فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا المُسْلمُ فَغَسَّلتْهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ، وَفِي صِحَّتِهِ طَرِيقَانِ المَذْهَبُ وَالمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ العِرَاقِيِّينَ صِحَّتُهُ. والثاني: فِي صِحَّتِهِ قَوْلانِ المَنْصُوصُ جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ، وَالمَخْرَجُ بُطْلانُهُ حَكَاهُ الخُرَاسَانِيُّونَ بِنَاءً عَلى اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الغَاسِل، قَالوا: نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ غُسْل الكَافِرِ المُسْلمَ صَحِيحٌ، وَلا يَجِبُ عَلى المُسْلمِينَ إعَادَتُهُ، وَنَصَّ فِي الغَرِيقِ أَنَّهُ يَجِبُ إعَادَةُ غُسْلهِ، وَلا يَكْفِي انْغِسَالهُ بِالغَرَقِ، وَمِمَّنْ نَقَل النَّصَّ مِنْ العِرَاقِيِّينَ فِي الغَرَقِ صَاحِبُ الشَّامِل، فَجَعَل الخُرَاسَانِيُّونَ المَسْأَلةَ عَلى طَرِيقَيْنِ. أحدهما: أَنَّ فِي الاكْتِفَاءِ بِغُسْل الكَافِرِ وَانْغِسَال الغَرِيقِ قَوْليْنِ بِالنَّقْل وَالتَّخْرِيجِ والثاني: وَهُوَ المَذْهَبُ عِنْدَهُمْ، وَبِهِ قَطَعَ العِرَاقِيُّونَ يَكْفِي غُسْل الكَافِرِ دُونَ الغَرِيقِ، وَالفَرْقُ بِأَنَّهُ لا بُدَّ فِي الغُسْل مِنْ فِعْل آدَمِيٍّ، وَقَدْ وُجِدَ فِي الكَافِرِ دُونَ الغَرِيقِ، هَذَا هُوَ الفَرْقُ المُعْتَمَدُ، وَبِهِ فَرَّقَ المَاوَرْدِيُّ وَالقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِل وَسَائِرُ الأَصْحَابِ.
وَأَمَّا قَوْل المُصَنِّفِ: لأَنَّ القَصْدَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ فَضَعِيفٌ لأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالغَرَقِ قَال الدَّارِمِيُّ: قَال الشَّافِعِيُّ: وَلوْ مَاتَ رَجُلٌ وَهُنَاكَ نِسَاءٌ مُسْلمَاتٌ وَرِجَالٌ كُفَّارٌ أَمَرْنَ الكُفَّارَ بِغُسْلهِ، وَصَليْنَ عَليْهِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلى المَذْهَبِ فِي صِحَّةِ غُسْل الكَافِرِ.
الرَّابِعَةُ: إذَا مَاتَتْ أُمُّ الوَلدِ فَلسَيِّدِهَا غُسْلهَا بِلا خِلافٍ، لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلمَةً أَوْ كَافِرَةً، لكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لا تَكُونَ مُزَوَّجَةً وَلا مُعْتَدَّةً، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا، وَهَل لهَا غُسْل سَيِّدِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا المُصَنِّفُ وَسَبَقَا أصحهما: لا يَجُوزُ، وَبِهِ قَال أَبُو عَليٍّ الطَّبَرِيُّ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ، وَصَحَّحَهُ البَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَالأَكْثَرُونَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ بِأَنَّهَا بِالمَوْتِ صَارَتْ حُرَّةً. والثاني: يَجُوزُ، وَصَحَّحَهُ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْليقِهِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ وَنَصْرٌ المَقْدِسِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ، وَالوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي غُسْل الأَمَةِ القِنَّةِ وَالمُدَبَّرَةِ سَيِّدَهَا لكِنَّ الصَّحِيحَ هُنَا عِنْدَ جَمِيعِ الأَصْحَابِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لهَا غُسْلهُ، لأَنَّهَا صَارَتْ الوَارِثَ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ، وَصَاحِبُ الحَاوِي وَآخَرُونَ إلا القَفَّال، فَشَذَّ عَنْ الأَصْحَابِ، فَقَال فِي شَرْحِ التَّلخِيصِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ لهَا غُسْلهُ.