ج / 5 ص -92- فرع: قَال المُصَنِّفُ وَالأَصْحَابُ: لا يَجُوزُ للغَاسِل أَوْ لغَيْرِهِ مَسُّ شَيْءٍ مِنْ عَوْرَةِ المَغْسُول، وَلا النَّظَرُ إليْهَا، بَل يَلفُّ عَلى يَدِهِ خِرْقَةً، وَيَغْسِل فَرْجَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَنْظُرَ إلى غَيْرِ العَوْرَةِ إلا إلى مَا لا بُدَّ لهُ مِنْهُ فِي تَمَكُّنِهِ مِنْ غُسْلهِ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَمَسَّهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ نَظَرَ إليْهِ أَوْ مَسَّهُ بِلا شَهْوَةٍ لمْ يَحْرُمْ بَل هُوَ تَارِكٌ للأَوْلى.
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ لهُ ذَلكَ، وَأَمَّا غَيْرُ الغَاسِل مِنْ المُعِينِ وَغَيْرِهِ فَيُكْرَهُ لهُمْ النَّظَرُ إلى مَا سِوَى العَوْرَةِ إلا لضَرُورَةٍ، لأَنَّهُ لا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ مِنْ العَوْرَةِ فِي حَال نَظَرِهِ، أَوْ يَرَى فِي بَدَنِهِ شَيْئًا كَانَ يَكْرَهُهُ، أَوْ يَرَى سَوَادًا أَوْ دَمًا مُجْتَمِعًا وَنَحْوَ ذَلكَ فَيَظُنَّهُ عُقُوبَةً، قَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَنْظُرَ إلى بَدَنِ الحَيِّ فَالمَيِّتُ أَوْلى، هَذَا تَلخِيصُ أَحْكَامِ الفَصْل وَدَلائِلهُ تُعْرَفُ مِمَّا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مَعَ مَا أَشَرْتُ إليْهِ، وَبِاَللهِ التَّوْفِيقُ.
فرع: قَال ابْنُ المُنْذِرِ: اخْتَلفُوا فِي تَغْطِيَةِ وَجْهِ المَيِّتِ، يَعْنِي حَال غُسْلهِ فَاسْتَحَبَّ ابْنُ سِيرِينَ وَسُليْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ تَغْطِيَتَهُ بِخِرْقَةٍ، وَقَال مَالكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ: يُغَطِّي فَرْجَهُ وَلمْ يَذْكُرُوا وَجْهَهُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي الغُسْل فِي قَمِيصٍ.
مَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُهُ، وَبِهِ قَال أَحْمَدُ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالكٌ: المُسْتَحَبُّ غُسْلهُ مُجَرَّدًا، وَقَال دَاوُد: هُمَا سَوَاءٌ، وَمَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُ غُسْلهِ بِالمَاءِ البَارِدِ إلا لحَاجَةٍ إلى المُسَخَّنِ وَبِهِ قَال أَحْمَدُ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: المُسَخَّنُ أَفْضَل، وَليْسَ عَنْ مَالكٍ تَفْصِيلٌ، دَليلنَا مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلسَهُ إجْلاسًا رَفِيقًا، وَيَمْسَحَ بَطْنَهُ مَسْحًا بَليغًا، لمَا رَوَى القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَال"تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَغَسَّلهُ ابْنُ عُمَرَ فَنَفَضَهُ نَفْضًا شَدِيدًا، وَعَصَرَهُ عَصْرًا شَدِيدًا، ثُمَّ غَسَّلهُ"وَلأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ. فَإِذَا لمْ يَعْصِرْهُ قَبْل الغُسْل خَرَجَ بَعْدَهُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ بَعْدَمَا كُفِّنَ فَيُفْسِدُ الكَفَنَ، وَكُلمَا أَمَرَّ اليَدَ عَلى البَطْنِ صَبَّ عَليْهِ مَاءً كَثِيرًا، حَتَّى إنْ خَرَجَ شَيْءٌ لمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ، ثُمَّ يَبْدَأُ فَيَغْسِل أَسَافِلهُ كَمَا يَفْعَل الحَيُّ إذَا أَرَادَ الغُسْل، ثُمَّ يُوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ الحَيُّ لمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالتْ"لمَّا غَسَّلنَا ابْنَةَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال لنَا: ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ"لأَنَّ الحَيَّ يَتَوَضَّأُ إذَا أَرَادَ الغُسْل، وَيُدْخِل أُصْبُعَهُ فِي فِيهِ، وَيُسَوِّكُ بِهَا أَسْنَانَهُ، وَلا يَفْغَرُ فَاهُ، وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ - إنْ لمْ يَكُنْ قَدْ قَلمَ أَظْفَارَهُ - وَيَكُونُ ذَلكَ بِعُودٍ ليِّنٍ لا يَجْرَحُهُ، ثُمَّ يَغْسِلهُ، وَيَكُونُ كَالمُنْحَدِرِ قَليلًا حَتَّى لا يَجْتَمِعَ المَاءُ تَحْتَهُ فَيَسْتَنْقِعَ فِيهِ وَيُفْسِدَ بَدَنَهُ، وَيُغَسِّلهُ ثَلاثًا كَمَا يَفْعَل الحَيُّ فِي وُضُوئِهِ وَغُسْلهِ فَيَبْدَأُ بِرَأْسِهِ وَلحْيَتِهِ كَمَا يَفْعَل الحَيُّ، فَإِنْ كَانَتْ اللحْيَةُ مُتَلبِّدَةً سَرَّحَهَا حَتَّى يَصِل المَاءُ إلى الجَمِيعِ، وَيَكُونَ بِمُشْطٍ مُنْفَرِجِ الأَسْنَانِ وَيُمَشِّطُهُ بِرِفْقٍ حَتَّى لا يَنْتِفَ شَعْرَهُ، ثُمَّ يُغَسِّل شِقَّهُ الأَيْمَنَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلى رِجْلهِ، ثُمَّ شِقَّهُ الأَيْسَرَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلى رِجْلهِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ عَلى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ، فَيَغْسِل جَانِبَ ظَهْرِهِ كَذَلكَ لحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ."