فهرس الكتاب

الصفحة 1738 من 4102

ج / 5 ص -106- كَمَا تُقَدَّمُ كِسْوَةُ المُفْلسِ عَلى دُيُونِ غُرَمَائِهِ، فَإِنْ قَال بَعْضُ الوَرَثَةِ: أَنَا أُكَفِّنُهُ مِنْ مَالي، وَقَال بَعْضُهُمْ: بَل يُكَفَّنُ مِنْ التَّرِكَةِ كُفِّنَ مِنْ التَّرِكَةِ؛ لأَنَّ فِي تَكْفِينِ بَعْضِ الوَرَثَةِ مِنْ مَالهِ مِنَّةٌ عَلى البَاقِينَ فَلا يَلزَمُ قَبُولهَا، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ لهَا زَوْجٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَال أَبُو إِسْحَاقَ: يَجِبُ عَلى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ مَنْ لزِمَهُ كِسْوَتُهَا فِي الحَيَاةِ لزِمَهُ كَفَنُهَا بَعْدَ الوَفَاةِ، كَالأَمَةِ مَعَ السَّيِّدِ. وَقَال أَبُو عَليِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَجِبُ فِي مَالهَا؛ لأَنَّهَا بِالمَوْتِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ فَلمْ يَلزَمْهُ كَفَنُهَا، وَالأَوَّل أَصَحُّ؛ لأَنَّ هَذَا يَبْطُل بِالأَمَةِ فَإِنَّهَا صَارَتْ بِالمَوْتِ أَجْنَبِيَّةً مِنْ مَوْلاهَا، ثُمَّ يَجِبُ عَليْهِ تَكْفِينُهَا فَإِنْ يَكُنْ مَالٌ وَلا زَوْجَ فَالكَفَنُ عَلى مَنْ يَلزَمُهُ نَفَقَتُهَا اعْتِبَارًا بِالكِسْوَةِ فِي الحَيَاةِ"."

الشرح: حَدِيثُ المُحْرِمِ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَبَقَ فِي بَابِ غُسْل المَيِّتِ، وَليْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلهُ: اللذَيْنِ مَاتَ فِيهِمَا، وَأَكْثَرُ رِوَايَاتِهِمَا ثَوْبَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا ثَوْبَيْهِ، وَالكِسْوَةُ بِكَسْرٍ الكَافِ وَضَمِّهَا، لغَتَانِ الكَسْرُ أَفْصَحُ. وَفِي الفَصْل مَسَائِل:

إحداها: تَكْفِينُ المَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ وَإِنَّهُ لا يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ مِنْ مُكَلفٍ، حَتَّى لوْ كَفَّنَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ حَصَل التَّكْفِينُ لوُجُودِ المَقْصُودِ.

الثانية: مَحِل الكَفَنِ تَرِكَةُ المَيِّتِ للحَدِيثِ المَذْكُورِ وَالإِجْمَاعِ، فَإِنْ كَانَ عَليْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ قُدِّمَ الكَفَنُ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وَاسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا صُوَرًا يُقَدَّمُ فِيهَا الدَّيْنُ عَلى الكَفَنِ، وَضَابِطُهَا أَنْ يَتَعَلقَ الدَّيْنُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ فَمِنْ الصُّوَرِ المُسْتَثْنَاةِ مَالٌ تَعَلقَتْ بِهِ زَكَاةٌ لشَاةٍ بَقِيَتْ مِنْ أَرْبَعِينَ وَالمَرْهُونُ وَالعَبْدُ الجَانِي وَالمَبِيعُ إذَا مَاتَ المُشْتَرِي مُفْلسًا وَشَبَهُهَا، فَيُقَدَّمُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِلا خِلافٍ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الجُرْجَانِيُّ فِي فَرَائِضِهِ، وَالبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَالجُوَيْنِيُّ فِي الفُرُوقِ، وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أَنْ يُنَبِّهَ عَليْهِ. قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَحَنُوطُ المَيِّتِ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ كَالغُسْل وَالحَمْل وَالدَّفْنِ وَغَيْرِهَا لهَا حُكْمُ الكَفَنِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.

فرع: تَكْفِينُ المَيِّتِ وَسَائِرُ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ يُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ مَالهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ غَيْرَهُ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَال الفُقَهَاءُ كَافَّةً إلا مَا سَأَذْكُرُهُ. قَال ابْنُ المُنْذِرِ: الكَفَنُ مِنْ رَأْسِ المَال، سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ غَيْرَهُ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَال الفُقَهَاءُ كَافَّةً إلا مَا سَأَذْكُرُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ العُلمَاءِ، مِمَّنْ قَالهُ ابْنُ المُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وَبِهِ نَقُول، وَقَال خِلاسُ بْنُ عَمْرٍو بِكَسْرِ الخَاءِ: مِنْ ثُلثِ التَّرِكَةِ. وَقَال طَاوُسٌ: إنْ كَانَ المَال قَليلًا فَمِنْ الثُّلثِ وَإِلا فَمِنْ رَأْسِ المَال، دَليلنَا حَدِيثُ المُحْرِمِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يَسْأَل هَل أَوْصَى بِالثُّلثِ أَمْ لا.

الثالثة: إذَا طَلبَ بَعْضُ الوَرَثَةِ تَكْفِينَهُ مِنْ مَالهِ وَآخَرُ مِنْ التَّرِكَةِ كُفِّنَ مِنْ التَّرِكَةِ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.

الرابعة: إذَا مَاتَتْ مُزَوَّجَةٌ فَهَل يَلزَمُ الزَّوْجَ كَفَنُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: عِنْدَ جُمْهُورِ الأَصْحَابِ يَجِبُ عَلى زَوْجِهَا، مِمَّنْ صَحَّحَهُ المُصَنِّفُ هُنَا، وَفِي التَّنْبِيهِ وَالمَحَامِليُّ فِي كِتَابَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت