ج / 5 ص -108- التَّكْفِينِ وَغَيْرِهِ مِنْ يَخَافُ فَسَادَهُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِيهِ قَدَّمَ الأَبَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ، فَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ قَدَّمَ أَسَنَّهُمَا، فَإِنْ كَانَا زَوْجَيْنِ أَقَرَعَ بَيْنَهُمَا إذْ لا مَزِيَّةَ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ.
ذَكَرْنَا أَنَّ الأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ عَلى الزَّوْجِ، وَبِهِ قَال مَالكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَال الشَّعْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ وَأَحْمَدُ"فِي مَالهَا"وَرُوِيَ عَنْ مَالكٍ.
فرع: قَال البَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: لوْ مَاتَ إنْسَانٌ وَلمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَا يُكَفَّنُ بِهِ إلا ثَوْبٌ مَعَ مَالكٍ لهُ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إليْهِ، لزِمَهُ بَذْلهُ بِقِيمَتِهِ كَالطَّعَامِ للمُضْطَرِّ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَأَقَل مَا يُجْزِئُ مَا يَسْتُرُ العَوْرَةَ كَالحَيِّ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: أَقَلهُ ثَوْبٌ يَعُمُّ البَدَنَ؛ لأَنَّ مَا دُونَهُ لا يُسَمَّى كَفَنًا، وَالأَوَّل أَصَحُّ".
الشرح: هَذَانِ الوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، وَاخْتَلفُوا فِي أَصَحِّهِمَا، وَصَحَّحَ المُصَنِّفُ هُنَا وَالمَحَامِليُّ فِي المَجْمُوعِ وَصَاحِبَا المُسْتَظْهِرِيِّ وَالبَيَانِ وَآخَرُونَ مِنْ العِرَاقِيِّينَ الاكْتِفَاءَ بِسَاتِرِ العَوْرَةِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْ العِرَاقِيِّينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ مِنْهُمْ المَاوَرْدِيُّ، فِي الحَاوِي وَالقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْليقِ وَالمُجَرَّدِ، وَسُليْمٌ الرَّازِيّ فِي الكِفَايَةِ، وَالمَحَامِليُّ فِي التَّجْرِيدِ، وَصَاحِبُ الشَّامِل، وَقَطَعَ بِهِ الخُرَاسَانِيُّونَ المُتَوَلي وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ، فَإِنَّهُ قَال رحمه الله: (وَمَا كُفِّنَ فِيهِ المَيِّتُ أَجْزَأَهُ، وَإِنَّمَا قُلنَا ذَلكَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَفَّنَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْضَ القَتْلى بِنَمِرَةٍ"فَدَل ذَلكَ عَلى أَنَّهُ ليْسَ فِيهِ حَدٌّ لا يَقْصُرُ عَنْهُ، وَعَلى أَنَّهُ يُجْزِئُ مَا وَارَى العَوْرَةَ) هَذَا لفْظُ نَصِّهِ.
وَقَطَعَ جُمْهُورُ الخُرَاسَانِيِّينَ بِأَنَّهُ يَجِبُ سَاتِرُ جَمِيعِ البَدَنِ، مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ مِنْهُمْ إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَاليُّ وَالبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ مِنْهُمْ القَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ.
وَحَكَى البَنْدَنِيجِيُّ فِي المَسْأَلةِ ثَلاثَةَ أَوْجُهٍ، هَذَانِ الوَجْهَانِ، وَالثَّالثُ: يَجِبُ ثَلاثَةُ أَثْوَابٍ،، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ، وَالأَصَحُّ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الأَكْثَرِينَ، وَعَنْ ظَاهِرِ نَصِّهِ وَهُوَ سَاتِرُ العَوْرَةِ، لحَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ الذِي أَشَارَ إليْهِ الشَّافِعِيُّ فِي اسْتِدْلالهِ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَفَّنَهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِنَمِرَةٍ غَطَّى بِهَا رَأْسَهُ، وَبَدَتْ رِجْلاهُ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلوا عَلى رِجْليْهِ الإِذْخِرَ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، فَإِنْ قِيل: لعَلهُ لمْ يَكُنْ لهُ سِوَى النَّمِرَةِ فالجواب: مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّهُ يَبْعُدُ مِمَّنْ خَرَجَ للقِتَال أَنْ لا يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهَا مِنْ سِلاحٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يُشْتَرَى بِهِ كَفَنٌ والثاني: لوْ ثَبَتَ أَنَّهُ لمْ يَكُنْ لهُ غَيْرُهَا وَالسَّاتِرُ غَيْرُهَا لوَجَبَ تَتْمِيمُهُ مِنْ بَيْتِ المَال، فَإِنْ فُقِدَ فَعَلى المُسْلمِينَ وَاَللهُ أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُل فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ، إزَارٍ وَلفَافَتَيْنِ بِيضٍ لمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالتْ"كُفِّنَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُوليَّةٍ، ليْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ"فَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ لمْ يُكْرَهْ؛ لأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُكَفِّنُ أَهْلهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، فِيهَا قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ،؛ وَلأَنَّ أَكْمَل ثِيَابِ الحَيِّ خَمْسَةٌ، قَمِيصَانِ وَسَرَاوِيل، وَعِمَامَةٌ وَرِدَاءٌ، وَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلى ذَلكَ؛ لأَنَّهُ سَرَفٌ، وَإِنْ قَال بَعْضُ الوَرَثَةِ:"