فهرس الكتاب
ج / 1 ص -49- أَلْهَمَ النَّحْلَ اتِّخَاذَ ثَقْبٍ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ وَتَعْسِلُ فِيهِ، وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ كَسْبَ قُوتِهَا وَادِّخَارَهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهَا إلَيْهِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ الذُّبَابَةَ وَجَعَلَ لَهَا الْهِدَايَةَ إلَى أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ لِمَا أَرَادَ مِنْ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْرَجَةُ التَّعَبُّدِ، وَالِامْتِحَانِ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ التَّكْلِيفِ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ وَعِلْمٌ {وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ:"مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ"يَعْنِي مَا لَيْسَ لَهَا دَمٌ يَسِيلُ، وَالنَّفْسُ الدَّمُ وَيَجُوزُ فِي إعْرَابِ سَائِلَةٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الْفَتْحُ: بِلَا تَنْوِينٍ، وَالنَّصْبُ وَالرَّفْعُ: مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَالزُّنْبُورُ بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَقَوْلُهُ: لَا لِحُرْمَتِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ بِمَيْتَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ مَيْتَتِهِ، وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْمَيْتَةُ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ هِيَ كَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّحْلِ وَالنَّمْلِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْبَقِّ وَالْبَعُوضِ وَالصَّرَاصِيرِ وَالْعَقَارِبِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانِ وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ وَأَشْبَاهِهَا، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ. وَأَمَّا الْحَيَّةُ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ وَصَاحِبِهِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإِسْفِرايِينِي: لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ: لَيْسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا الْوَزَغُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالْحَيَّةِ، وَقَطَعَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ بِأَنَّ لَهُ نَفْسًا سَائِلَةً قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ، وَأَنَّهُ قُتِلَ فَوُجِدَ فِي رَأْسِهِ دَمٌ، وَكَذَا رَأَيْتُ أَنَا فِي كِتَابِ الطُّهُورِ لِأَبِي عُبَيْدٍ: أَنَّ الْوَزَغَ وَالْحَيَّةَ لَهُمَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَدَمٌ فِي رُءُوسِهِمَا.
إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ: فَإِذَا مَاتَ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ فِي دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ فَهَلْ يَنْجَسُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي"الأم"وَالْمُخْتَصَرِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مسألة:ذَكَرَ فِي"الأم"فِيهَا قَوْلَيْنِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَوْلًا ثَالِثًا مُخَرَّجًا، وَهُوَ أَنَّ مَا يَعُمْ لَا يُنَجِّسُهُ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَا لَا يَعُمْ كَالْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ وَالْجُعْلَانِ يُنَجِّسُهُ؛ نَظَرًا إلَى تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ وَعَدَمِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَرِيبٌ، وَالْمَشْهُورُ: إطْلَاقُ قَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ، هَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ. وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُمَا، وَشَذَّ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَرَجَّحَا النَّجَاسَةَ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَابُ: الطَّهَارَةُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ نَسَبَ جَمَاعَةٌ الشَّافِعِيَّ إلَى خَرْقِ"الإجماع"فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ بِالنَّجَاسَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ: قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ بِمَوْتِ الذُّبَابِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَنَحْوِهِمَا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ: أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ بِذَلِكَ، إلَّا أَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ