فهرس الكتاب
ج / 5 ص -179- الأُمِّ وَأَصْحَابُنَا: فَإِنْ اخْتَارَ الشَّقَّ حَفَرَ حَفِيرَةً كَالنَّهْرِ وَبَنَى جَانِبَيْهَا بِاللبِنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَجَعَل بَيْنَهُمَا شَقًّا يُوضَعُ فِيهِ المَيِّتُ وَيَسْقُفُ عَليْهِ بِاللبِنِ أَوْ الخَشَبِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَليلًا بِحَيْثُ لا يَمَسُّ المَيِّتَ، وَيُجْعَل فِي شُقُوقِهِ قِطَعُ اللبِنِ، قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: وَرَأَيْتهمْ عِنْدَنَا، يَعْنِي فِي مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللهُ يَضَعُونَ عَلى السَّقْفِ الإِذْخِرَ1 ثُمَّ يَضَعُونَ عَليْهِ التُّرَابَ، وَهَذَا الذِي ذَكَرْته مِنْ صِفَةِ الشَّقِّ وَاللحْدِ نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ، وَاتَّفَقَ عَليْهِ الأَصْحَابُ.
فرع: قَال المُصَنِّفُ فِي الفَصْل الثَّانِي لمَا بَعْدَ هَذَا: وَسَائِرُ الأَصْحَابِ يَكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ المَيِّتُ فِي تَابُوتٍ إلا إذَا كَانَتْ الأَرْضُ رِخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً، قَالوا: وَلا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِهِ إلا فِي مِثْل هَذَا الحَال، قَالوا: وَيَكُونُ التَّابُوتُ مِنْ رَأْسِ المَال صَرَّحَ بِهِ البَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا الذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ التَّابُوتِ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ العُلمَاءِ كَافَّةً وَأَظُنُّهُ إجْمَاعًا، قَال العَبْدَرِيُّ رحمه الله: لا أَعْلمُ فِيهِ خِلافًا يَعْنِي لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلمِينَ كَافَّةً وَاَللهُ أَعْلمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بكر همزة القطع والخاء المعجمة المكسورة (ط) .
فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي تَعْمِيقِ القَبْرِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ تَعْمِيقِهِ قَامَةً وَبَسْطَةً، وَحَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالا: يُعَمَّقُ إلى السُّرَّةِ، قَال: وَاسْتَحَبَّ مَالكٌ رحمه الله أَنَّهُ لا يُعَمَّقُ جِدًّا وَلا يَقْرُبُ مِنْ أَعْلاهُ وَاَللهُ أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"الأَوْلى أَنْ يَتَوَلى الدَّفْنَ الرِّجَال، لأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلى بَطْشٍ وَقُوَّةٍ. وَكَانَ الرِّجَال أَحَقَّ، وَأَوْلاهُمْ بِذَلكَ أَوْلاهُمْ بِالصَّلاةِ عَليْهِ، لأَنَّهُمْ أَرْفَقُ بِهِ. وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَزَوْجُهَا أَحَقُّ بِدَفْنِهَا لأَنَّهُ أَحَقُّ بِغُسْلهَا، فَإِنْ لمْ يَكُنْ لهَا زَوْجٌ فَالأَبُ، ثُمَّ الجَدُّ، ثُمَّ الابْنُ، ثُمَّ ابْنُ الابْنِ، ثُمَّ الأَخُ، ثُمَّ ابْنُ الأَخِ، ثُمَّ العَمُّ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ لهَا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَلهَا مَمْلوكٌ كَانَ المَمْلوكُ أَوْلى مِنْ ابْنِ العَمِّ، لأَنَّهُ كَالمَحْرَمِ، وَالخَصِيُّ أَوْلى مِنْ الفَحْل، وَإِنْ لمْ يَكُنْ مَمْلوكٌ فَابْنُ العَمِّ ثُمَّ أَهْل الدِّينِ مِنْ المُسْلمِينَ، وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الذِي يَدْفِنُ وِتْرًا، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"دَفَنَهُ عَليٌّ وَالعَبَّاسُ وَأُسَامَةُ رضي الله عنهم"وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَجَّى القَبْرُ بِثَوْبٍ عِنْدَ الدَّفْنِ، لأَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَتَرَ قَبْرَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه بِثَوْبٍ لمَّا دَفَنَهُ"."
الشرح: قَوْلهُ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَفَنَهُ عَليٌّ وَالعَبَّاسُ وَأُسَامَةُ هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَسَانِيدُهُ مُخْتَلفَةٌ فِيهَا ضَعْفٌ، وَليْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ذِكْرُ العَبَّاسِ، وَإِنَّمَا فِيهَا عَليٌّ وَالفَضْل وَأُسَامَةُ وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ دَخَل مَعَهُمْ وَصَارُوا أَرْبَعَةً، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ البَيْهَقِيّ عَنْ عَليٍّ رضي الله عنه قَال:"وَليَ دَفْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةٌ عَليٌّ وَالعَبَّاسُ وَالفَضْل وَصَالحٌ مَوْلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم"وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"كَانُوا أَرْبَعَةً: عَليٌّ وَالفَضْل وَقُثَمُ بْنُ العَبَّاسِ وَشُقْرَانُ مَوْلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَنَزَل مَعَهُمْ خَامِسٌ وَكَانُوا خَمْسَةً"وَشُقْرَانُ - بِضَمِّ الشِّينِ المُعْجَمَةِ - وَإِسْكَانِ القَافِ هُوَ صَالحٌ مَوْلى