فهرس الكتاب
ج / 5 ص -180- رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلقَبُهُ شُقْرَانُ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَتْرِ قَبْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ العَبَّاسِ رضي الله عنهم بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
أما الأحكام: فَفِيهِ مَسَائِل:
إحداها: قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: الأَوْلى أَنَّ يَتَوَلى الدَّفْنَ الرِّجَال، سَوَاءٌ كَانَ المَيِّتُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ وَعَللوهُ بِعِلتَيْنِ إحْدَاهُمَا: التِي ذَكَرَهَا المُصَنِّفُ أَنَّ الرِّجَال أَقْوَى وَأَشَدُّ بَطْشًا والثانية أَنَّ المَرْأَةَ لوْ تَوَلتْ ذَلكَ أَدَّى إلى انْكِشَافِ بَعْضِ بَدَنِهَا. قَال صَاحِبُ البَيَانِ: قَال الصَّيْدَلانِيُّ: وَيَتَوَلى النِّسَاءُ حَمْل المَرْأَةِ مِنْ المُغْتَسَل إلى الجِنَازَةِ وَتَسْليمَهَا إلى مَنْ فِي القَبْرِ لأَنَّهُنَّ يَقْدِرْنَ عَلى ذَلكَ، قَال: وَكَذَلكَ يَتَوَلى النِّسَاءُ حَل ثِيَابِهَا فِي القَبْرِ، قَال صَاحِبُ البَيَانِ: وَلمْ أَرَ هَذَا لغَيْرِ الصَّيْدَلانِيِّ وَهَذَا الذِي قَالهُ صَاحِبُ البَيَانِ عَجِيبٌ، وَليْسَ قَوْل الصَّيْدَلانِيِّ مُنْكَرًا، بَل هُوَ الحَقُّ وَالصَّوَابُ، وَقَدْ نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ فِي بَابِ الدَّفْنِ فَقَال: وَسَتْرُ المَرْأَةِ إذَا أُدْخِلتْ قَبْرَهَا آكَدُ مِنْ سَتْرِ الرَّجُل، وَتُسَل كَمَا يُسَل الرَّجُل، قَال: وَإِنْ وَليَ إخْرَاجَهَا مِنْ مُغْتَسَلهَا وَحَل عُقَدَ ثِيَابٍ إنْ كَانَتْ عَليْهَا، وَتَعَاهَدَهَا النِّسَاءُ فَحَسَنٌ، وَإِنْ وَليَهُ الرِّجَال فَلا بَأْسَ هَذَا نَصُّهُ وَقَدْ جَزَمَ البَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَكَوْا اسْتِحْبَابَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله. وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ الأَحَادِيثِ فِي كَوْنِ الرِّجَال هُمْ الذِينَ يَتَوَلوْنَ الدَّفْنَ، وَإِنْ كَانَ المَيِّتُ امْرَأَةً، حَدِيثُ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال"شَهِدْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالسٌ عَلى القَبْرِ فَقَال: مِنْكُمْ رَجُلٌ لمْ يُقَارِفْ الليْلةَ؟ فَقَال أَبُو طَلحَةَ رضي الله عنه أَنَا، قَال: فَانْزِل، فَنَزَل فِي قَبْرِهَا"رَوَاهُ البُخَارِيُّ رحمه الله قِيل: مَعْنَاهُ لمْ يُقَارِفْ أَهْلهُ أَيْ لمْ يُجَامِعْ. وَقِيل: لمْ يُقَارِفْ ذَنْبًا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ مُبَارَكٍ عَنْ فُليْحٍ، وَالأَوَّل أَرْجَحُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ"رُقَيَّةَ لمَّا مَاتَتْ قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا يَدْخُل القَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ الليْلةَ أَهْلهُ فَلمْ يَدْخُل عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ القَبْرَ"رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَمَعْلومٌ أَنَّ أَبَا طَلحَةَ رضي الله عنه أَجْنَبِيٌّ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلكِنَّهُ كَانَ مِنْ صَالحِي الحَاضِرِينَ. وَلمْ يَكُنْ لهَا هُنَاكَ رَجُلٌ مَحْرَمٌ إلا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَلعَلهُ كَانَ لهُ عُذْرٌ فِي عَدَمِ نُزُول قَبْرِهَا، وَكَذَا زَوْجُهَا، وَمَعْلومٌ أَنَّهَا كَانَتْ أُخْتُهَا فَاطِمَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ مَحَارِمِهَا وَغَيْرُهُنَّ هُنَاكَ، فَدَل عَلى أَنَّهُ لا مَدْخَل للنِّسَاءِ فِي إدْخَال القَبْرِ وَالدَّفْنِ.
المسألة الثانية: قَال أَصْحَابُنَا: أَوْلى الرِّجَال بِالدَّفْنِ أَوْلاهُمْ بِالصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ مِنْ حَيْثُ الدَّرَجَةُ وَالقُرْبُ لا مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ، لأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالصِّفَاتِ فِي الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ مُخَالفٌ للتَّرْجِيحِ بِهَا فِي الدَّفْنِ، لأَنَّ الأَسَنَّ مُقَدَّمٌ عَلى الأَفْقَهِ فِي الصَّلاةِ وَالأَفْقَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأَسَنِّ فِي الدَّفْنِ هَكَذَا قَالهُ الأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَليْهِ، وَهَذِهِ المَسْأَلةُ مِمَّا أَنُكِرَ عَلى المُصَنِّفِ وَعَدَّهَا صَاحِبُ البَيَانِ فِي مُشْكِلاتِ المُهَذَّبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ المُصَنِّفَ أَطْلقَ أَنَّ مَنْ قُدِّمَ فِي الصَّلاةِ قُدِّمَ فِي الدَّفْنِ، وَالأَسَنُّ مُقَدَّمٌ فِي الصَّلاةِ عَلى الأَفْقَهِ وَهُوَ فِي الدَّفْنِ عَكْسُهُ، وَالمُخْتَارُ أَنَّهَا لا تُعَدُّ مُشْكِلةً، وَلا عَتْبَ عَلى المُصَنِّفِ لأَنَّ مُرَادَهُ التَّرْتِيبُ فِي الدَّرَجَاتِ لا بَيَانُ الصِّفَاتِ، فَيُقَدَّمُ الأَبُ ثُمَّ الجَدُّ ثُمَّ أَبُ الأَبِ ثُمَّ آبَاؤُهُ، ثُمَّ الابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَل، ثُمَّ الأَخُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ العَمُّ، وَهَل يُقَدَّمُ مَنْ يُدْلى بِأَبَوَيْنِ عَلى مُدْلٍ بِالأَبِ؟ فِيهِ الخِلافُ السَّابِقُ