فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 4102

ج / 1 ص -57- قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا شَرَطْنَا التَّبَاعُدَ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ فِي الْأَبْعَادِ، فَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى وَجْهِ الْبَحْرِ فَتَبَاعَدَ شِبْرًا لِيَحْسِبَ عُمْقَ الْبَحْرِ وَحِينَئِذٍ يَزِيدُ عَلَى قُلَّتَيْنِ لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَبَاعَدَ قَدْرًا لَوْ حُسِبَ مِثْلُهُ فِي الْعُمْقِ وَسَائِرِ الْجَوَانِبِ لَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ مَاءُ الْقُلَّتَيْنِ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَالْعُمْقُ الزَّائِدُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْبَسِطًا فِي عُمْقِ شِبْرٍ فَلْيَتَبَاعَدْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ بِنِسْبَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، هَكَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَكْثَرُونَ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ 1 الْجِهَةُ الَّتِي يَغْتَرِفُ مِنْهَا وَغَيْرُهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُسْتَقِي بِبَاقِي الْجِهَاتِ.

وَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّبَاعُدَ هَلْ يَكُونُ الْمَاءُ الْمُجْتَنَبُ نَجِسًا أَمْ طَاهِرًا مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: طَاهِرٌ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ"وَبِهَذَا قَطَعَ كَثِيرُونَ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ آخَرِينَ. مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ"المجموع"وَالتَّجْرِيدُ، وَأَصْحَابُ"الحاوي"وَالشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ: بِأَنَّهُ نَجِسٌ حَتَّى قَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ: لَوْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ كَانَ نَجِسًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِقَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ"، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ التَّبَاعُدُ فَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْهُ أَقْرَبَهُ إلَى النَّجَاسَةِ وَأَلْصَقَهُ بِهَا، وَخَالَفَهُمْ الْغَزَالِيُّ، فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ: يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ فِي الْبَسِيطِ بِمُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ، فَقَطَعَ بِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرِيمَ لَهُ يُجْتَنَبُ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ النِّهَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَالَ: لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْ قُرْبِ النَّجَاسَةِ قَالَ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَرَادَّ الْمَاءِ يُوجِبُ تَسَاوِيَ أَجْزَائِهِ فِي النَّجَاسَةِ، فَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

وَأَمَّا الْمسألة الثَّالِثَةُ:وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ: عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَدَلِيلُهُ: مَا ذَكَرَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ. حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ. ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا الْمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَغْرِفُهُ بِدَلْوٍ مَثَلًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْمِسَ الدَّلْوَ فِي إنَاءٍ غَمْسَةً وَاحِدَةً. وَلَا يَغْتَرِفَ فِي النَّجَاسَةِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ فَيَكُونَ بَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ طَاهِرًا، وَيَكُونَ ظَاهِرُ الدَّلْوِ وَالْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ نَجِسًا، أَمَّا نَجَاسَةُ الْبَاقِي فَلِأَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً وَقَدْ نَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ، وَأَمَّا نَجَاسَةُ ظَاهِرِ الدَّلْوِ فَلِمُلَاصَقَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ، وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ. وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ مَا فِي الدَّلْوِ؛ لِأَنَّهُ انْفصل: عَنْ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في ش و ق وندمنا في الوحيدة (سوي ) والصواب سواء (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت